من لم يجد ما ينفق وألزم الحجة كل من أمكنته البلغة والراحلة للحج والجهاد وأشباه
ذلك ، وكذلك قبل عذر الفقراء وأوجب لهم حقا في مال الأغنياء بقوله : " للفقراء
الذين أحصروا في سبيل الله - الآية - ( 1 ) " . فأمر بإعفائهم ولم يكلفهم الاعداد لما لا يستطيعون
ولا يملكون .
وأما قوله في السبب المهيج ، فهو النية التي هي داعية الانسان إلى جميع الأفعال
وحاستها القلب ( 2 ) فمن فعل فعلا وكان بدين لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل
الله منه عملا إلا بصدق النية ولذلك أخبر عن المنافقين بقوله : " يقولون بأفواههم ما ليس
في قلوبهم والله أعلم يما يكتمون ( 3 ) " . ثم أنزل على نبيه صلى الله عليه وآله توبيخا للمؤمنين
" يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون - الآية ( 4 ) - " فإذا قال الرجل قولا
واعتقد في قوله دعته النية إلى تصديق القول بإظهار الفعل ، وإذا لم يعتقد القول لم
تتبين حقيقته ، وقد أجاز الله صدق النية وإن كان الفعل غير موافق لها لعلة مانع يمنع
إظهار الفعل في قوله : " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ( 5 ) " وقوله : " لا يؤاخذكم
الله باللغو في أيمانكم ( 6 ) " . فدل القرآن واخبار الرسول صلى الله عليه وآله أن القلب مالك لجميع
الحواس يصحح أفعالها ، ولا يبطل ما يصحح القلب شئ .
فهذا شرح جميع الخمسة الأمثال التي ذكرها الصادق عليه السلام أنها تجمع المنزلة
بين المنزلتين وهما الجبر والتفويض . فإذا اجتمع في الانسان كمال هذه الخمسة الأمثال
وجب عليه العمل كملا لما أمر الله عز وجل به ورسوله ، وإذا نقص العبد منها خلة كان العمل
عنها ( 7 ) مطروحا بحسب ذلك .
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية 273 .
( 2 ) في بعض النسخ [ وحاسنه العقل ] . وحاسنه أي غالبه في الحسن . أو لاطفه وعامله بالحسنى .
( 3 ) سورة آل عمران آية 166 .
( 4 ) سورة الصف آية 2 .
( 5 ) سورة النحل آية 106 .
( 6 ) سورة البقرة آية 225 .
( 7 ) كذا . والظاهر [ عنه ] .