يا هشام إن كل الناس يبصر النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها
ومنازلها . وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها .
يا هشام إن المسيح عليه السلام قال للحواريين : " يا عبيد السوء يهو لكم طول النخلة ( 1 )
وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها وتنسون طيب ثمرها ومرافقها ( 2 ) . كذلك تذكرون
مؤونة عمل الآخرة فيطول عليكم أمده ( 3 ) وتنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها
وثمرها . يا عبيد السوء نقوا القمح وطيبوه وأدقوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله ،
كذلك فأخلصوا الايمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه ( 4 ) ، بحق أقول لكم :
لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران ( 5 ) في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه
ريح نتنه . كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه ولا يمنعكم منه
سوء رغبته فيها . يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم : لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك
ما تحبون ، فلا تنظروا بالتوبة غدا ، فإن دون غد يوما وليلة وقضاء الله فيهما ( 6 ) يغدوا
ويروح بحق أقول لكم : إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل هما ممن عليه الدين
وإن أحسن القضاء وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هما ممن عمل الخطيئة وإن أخلص
التوبة وأناب . وإن صغار الذنوب ومحقراتها ( 7 ) من مكائد إبليس ، يحقرها لكم
ويصغرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم . بحق أقول لكم : إن الناس في الحكمة
رجلان : فرجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله . ورجل أتقنها بقوله وضيعها بسوء فعله ،
هامش
( 1 ) يهو لكم أي يفزعكم وعظم عليكم .
( 2 ) مؤونة المراقي : شدة الارتقاء . والمرافق : المنافع وهي جمع مرفق - بالفتح - : ما انتفع به .
( 3 ) الأمد : الغاية ومنتهى الشئ ، يقال : طال عليهم الأمد أي الاجل . والنور - بالفتح - : الزهرة .
( 4 ) الغب - بالكسر - : العاقبة . وأيضا بمعنى البعد .
( 5 ) القطران - بفتح القاف وسكون الطاء وكسرها أو بكسر القاف وسكون الطاء - : سيال
دهني شبيه النفط ، يتخذ من بعض الأشجار كالصنوبر والأرز فيهنأ به الإبل الجربى ويسرع فيه اشعال
النار . وقوله : " نتنه " أي خبث رائحته .
( 6 ) كناية عن الموت فإنه يأتي في الغداة والرواح .
( 7 ) في بعض النسخ [ ومحقرتها ] .