العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم
إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم . فما أقل ما أعطوك
في قدر ما أخذوا منك . وما أيسر ما عمروا لك ، فكيف ما خربوا عليك . فانظر لنفسك
فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول .
وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا . فما أخوفني أن تكون كما
قال الله في كتابه : " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى
ويقولون سيغفر لنا ( 1 ) " إنك لست في دار مقام . أنت في دار قد آذنت برحيل ، فما بقاء
المرء بعد قرنائه . طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه
من بعده .
احذر فقد نبئت . بادر فقد أجلت . إنك تعامل من لا يجهل . وإن الذي يحفظ
عليك لا يغفل . تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد .
ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك ( 2 ) ، لكني أردت أن ينعش الله
ما [ قد ] فات من رأيك ويرد إليك ما عزب من دينك ( 3 ) وذكرت قول الله تعالى في
كتابه : " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ( 4 ) " .
أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب ( 5 ) .
أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت ، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه ، أم هل تراهم ذكرت
خيرا أهملوه ( 6 ) وعلمت شيئا جهلوه ، بل حظيت ( 7 ) بما حل من حالك في صدور العامة
وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك . إن أحللت أحلوا وإن حرمت
هامش
( 1 ) سورة الأعراف آية 168 .
( 2 ) عنفه : لامه وعتب عليه ولم يرفق به . وينعش الله ما فات أي يجبر ويتدارك .
( 3 ) عزب - بالعين المهملة والزاي المعجمة - : بعد .
( 4 ) سورة الذاريات آية 55 .
( 5 ) الأعضب : المكسور القرن . ولعل المراد : بقيت كأحد قرني الأعضب . والعضباء : الشاة
المكسورة القرن .
( 6 ) في بعض النسخ [ أم هل ترى ذكرت خيرا علموه وعملت شيئا جهلوه ] . وفى بعضها [ أم هل
تراه ذكرا خيرا عملوه وعملت شيئا جهلوه ] .
( 7 ) من الحظوة : رجل حظى إذ كان ذا منزلة .