يمتنع أن يكون ما رأى السماء إلا في ذلك الوقت ، لأنه على ما روي كان قد
ولدته أمه في مغارة خوفا من أن يقتله النمرود ، ومن يكون في المغارة لا يرى
السماء فلما قارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء
وفكر فيها ، وقد يجوز أيضا أن يكون قد رأى السماء قبل ذلك إلا أنه لم يفكر
في أعلامها ، لأن الفكر لم يكن واجبا عليه . وحين كمل عقله وحركته
الخواطر فكر في الشئ الذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكرا فيه .
والوجه الآخر في أصل المسألة : هو أن إبراهيم عليه السلام لم يقل ما
تضمنته الآيات على طريق الشك ، ولا في زمان مهلة النظر والفكر ، بل كان
في تلك الحال موقنا عالما بأن ربه تعالى لا يجوز أن يكون بصفة شئ من
الكواكب ، وإنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه والتنبيه لهم على أن
ما يغيب ويأفل لا يجوز أن يكون إلها معبودا ، ويكون قوله : ( هذا ربي )
محمولا على أحد وجهين : أي هو كذلك عندكم وعلى مذاهبكم . كما
يقول أحدنا للمشبه على سبيل الإنكار لقوله هذا ربه جسم يتحرك ويسكن .
والوجه الآخر :
أن يكون قال ذلك مستفهما ، وأسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنه ،
وقد جاء في الشعر ذلك كثيرا :
قال الأخطل ( 1 ) :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا
هامش
( 1 ) الأخطل : شاعر الأمويين ( 640 - 710 ه ) هو غياث التغلبي لقب بالأخطل لطول لسانه أو
لارتخاء أذنيه له ديوان كبير أكثره في الشعر السياسي مدح فيه الأمويين وهجا أعداءهم .