أهلي وإن وعدك الحق . وعلى هذا الوجه يتطابق الخبران ولا يتنافيان . وقد
روي هذا التأويل بعينه عن ابن عباس وجماعة من المفسرين .
( والوجه الثاني ) أن يكون المراد من قوله تعالى : ( ليس من أهلك )
أي إنه ليس على دينك ، وأراد أنه كان كافرا مخالفا لأبيه ، فكأن كفره أخرجه
من أن يكون له أحكام أهله . ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى على سبيل
التعليل : ( إنه عمل غير صالح ) فتبين أنه إنما خرج عن أحكام أهله بكفره
وقبيح عمله . وقد حكي هذا الوجه أيضا عن جماعة من أهل التأويل .
( والوجه الثالث ) أنه لم يكن ابنه على الحقيقة ، وإنما ولد على
فراشه . فقال ( ع ) إن ابني على ظاهر الأمر . فأعلمه الله تعالى أن الأمر
بخلاف الظاهر ، ونبهه على خيانة امرأته ، وليس في ذلك تكذيب خبره ، لأنه
إنما أخبر عن ظنه وعما يقتضيه الحكم الشرعي ، فأخبره الله تعالى بالغيب
الذي لا يعلمه غيره . وقد روي هذا الوجه عن الحسن ومجاهد وابن جريج .
وفي هذا الوجه بعد ، إذ فيه منافاة للقرآن لأنه تعالى قال : ( ونادى نوح
ابنه ) فأطلق عليه اسم البنوة . ولأنه تعالى أيضا استثناه من جملة أهله بقوله
تعالى : ( وأهلك إلا من سبق عليه القول ) . ولأن الأنبياء عليهم السلام
يجب أن ينزهوا عن هذه الحال لأنها تعبير وتشيين ونقص في القدر ، وقد
جنبهم الله تعالى ما دون ذلك تعظيما لهم وتوقيرا ونفيا لكل ما ينفر عن القبول
منهم . وقد حمل ابن عباس قوة ما ذكرناه من الدلالة على أن تأويل قوله
تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط ، فخانتاهما ، أن الخيانة لم تكن منهما
بالزنا ، بل كانت إحداهما تخبر الناس بأنه مجنون ، والأخرى تدل على
الأضياف . والوجهان الأولان هما المعتمدان في الآية ، فإن قيل أليس قد قال
جماعة من المفسرين أن الهاء في قوله تعالى : ( إنه عمل غير صالح )
راجعة إلى السؤال ؟ والمعنى أن سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير
صالح ، لأنه قد وقع من نوح ( ع ) السؤال والرغبة في قوله : رب إن ابني من
تنزيه الأنبياء ( ع ) — صفحة 36
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٣٦