قال : إنهم ليسمعون ما أقول . فأنكر ذلك عليه ، وقيل انما قال عليه
السلام : أنهم الآن ليعلمون ان الذي كنت أقول لهم هو الحق . واستشهد
بقوله تعالى : ( انك لا تسمع الموتى ) ، ويمكن في الخبر إن كان صحيحا
وجوه من التأويل :
أولها : انه إن وصى موص بأن يناح عليه ففعل ذلك بأمره ، فإنه يعذب
بالنياحة . وليس معنى يعذب بها أنه يؤاخذ بفعل النواح ، وانما معناه أنه
يؤاخذ بأمره بها ووصيته بفعلها ، وانما قال صلى الله عليه وآله ذلك لان الجاهلية كانوا
يرون البكاء عليهم والنوح ويأمرون به ويؤكدون الوصية بفعله ، وهذا مشهور
عنهم . قال طرفة بن العبد :
فان مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي عليه الجيب يا ابنة معبد
وقال بشر بن أبي حازم :
فمن يك سائلا عن بيت بشر * فان له بجنب الردم بابا
ثوى في ملحد لابد منه * كفى بالموت نابا واغترابا
رهين بلى وكل فتى سيبلى * فاذري الدمع وانتحبي انتحابا
وثانيها : ان العرب كانوا يبكون موتاهم ويذكرون غاراتهم وقتل
أعدائهم ، وما كانوا يسلبونه من الأموال ويرونه من الأحوال ، فيعدون ما هو
معاص في الحقيقة بعذاب الميت بها وإن كانوا يجعلون ذلك من مفاخره
ومناقبه ، فذكر انكم تبكونهم بما يعذبون به .
وثالثها : ان يكون المعنى ان الله تعالى إذا علم الميت ببكاء أهله
واعزته عليه تألم لذلك ، فكان عذابا له . والعذاب ليس بجار مجرى العقاب
الذي لا يكون إلا على ذنب متقدم ، بل قد يستعمل كثيرا بمعنى الألم
والضرر . ألا ترى ان القائل قد يقول لمن ابتدأه بضرر أو ألم : قد عذبتني
بكذا وكذا وآذيتني ، كما يقول اضررت بي وآلمتني . وإنما لم يستعمل
تنزيه الأنبياء ( ع ) — صفحة 173
مساهمون: الشريف المرتضى
ص١٧٣