تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
منزلتهم من غير تعرض لشئ من آثاره الفرعية ، واللفظ وإن لم يتقيد بقيد لكنه لما كان من قبيل بيان الملاك - نظير قوله : " وإن تصوموا خير لكم " ( البقرة : 184 ) وقوله : " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر " ( العنكبوت : 45 ) إلى غير ذلك - لم يكن إلا مهملا يحتاج التمسك به في اثبات حكم فرعى إلى بيان السنة ، والمرجع في البحث عن ذلك فن الفقه . قوله تعالى : " فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم " تفريع على قوله في الآية السابقة : " ان الله لا يهدى القوم الظالمين " فمن عدم شمول الهداية الإلهية لحالهم - وهو الضلال - مسارعتهم فيهم واعتذارهم في ذلك بما لا يسمع من القول ، وقد قال تعالى : " يسارعون فيهم " ولم يقل : يسارعون إليهم ، فهم منهم وحالون في الضلال محلهم ، فهؤلاء يسارعون فيهم لا لخشية إصابة دائرة عليهم فليسوا يخافون ذلك ، وانما هي معذرة يختلقونها لأنفسهم لدفع ما يتوجه إليهم من ناحية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من اللوم والتوبيخ بل انما يحملهم على تلك المسارعة توليهم أولئك ( اليهود والنصارى ) . ولما كان من شأن كل ظلم وباطل أن يزهق يوما ويظهر للملا فضيحته ، وينقطع رجاء من توسل إلى أغراض باطلة بوسائل صورتها صورة الحق كما قال تعالى : " ان الله لا يهدى القوم الظالمين " كان من المرجو قطعا أن يأتي الله بفتح أو أمر من عنده فيندموا على فعالهم ، ويظهر للمؤمنين كذبهم فيما كانوا يظهرونه . وبهذا البيان يظهر وجه تفرع قوله : " فترى الذين " ( الخ ) على قوله : " ان الله لا يهدى القوم الظالمين " وقد تقدم كلام في معنى عدم اهتداء الظالمين في ظلمهم . فهؤلاء القوم منافقون من جهة اظهارهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ما ليس في قلوبهم حيث يعنونون مسارعتهم في اليهود والنصارى بعنوان الخشية من إصابة الدائرة ، وعنوانه الحقيقي الموافق لما في قلوبهم هو تولى أعداء الله فهذا هو وجه نفاقهم ، وأما كونهم منافقين بمعنى الكافرين المظهرين للايمان فسياق الآيات لا يوافقه . وقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم المنافقون كعبد الله بن أبي وأصحابه على ما يؤيده أسباب النزول الواردة فإن هؤلاء المنافقين كانوا يشاركون المؤمنين في مجتمعهم ويجاملونهم من جانب ، ومن الجانب الآخر كانوا يتولون اليهود والنصارى بالحلف والعهد على النصرة استدرارا للفئتين ، وأخذا بالاحتياط في رعاية مصالح أنفسهم ليغتبطوا على أي حال ،
تفسير الميزان — صفحة 374 | السيد محمدحسين الطباطبائي