تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
وما ذكره من تبرى الآية بمفرداتها وسياقها من ذلك من عجيب الكلام ، وليت شعري ما الذي قصده من هذا التبري الذي وصفه وحمله على مفردات الآية ولم يقنع بذلك دون أن عطف عليها سياقها . وكيف تتبرء من ذلك مفردات الآية أو سياقها وقد وقع فيها بعد قوله : " لا تتخذوا اليهود والنصارى " أولياء قوله تعالى : " بعضهم أولياء بعض " ولا ريب في أن المراد بهذه الولاية ولاية المحبة والاتحاد والمودة ، دون ولاية الحلف إذ لا معنى لان يقال : لا تحالفوا اليهود والنصارى بعضهم حلفاء بعض ، وإنما كان ما يكون الوحدة بين اليهود ويرد بعضهم إلى بعض هو ولاية المحبة القومية ، وكذا بين النصارى من دون تحالف بينهم أو عهد إلا مجرد المحبة والمودة من جهة الدين . وكذا قوله تعالى بعد ذلك : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " فإن الاعتبار الذي يوجب كون موالى جماعة من تلك الجماعة هو أن المحبة والمودة تجمع المتفرقات وتوحد الأرواح المختلفة وتتوحد بذلك الادراكات ، وترتبط به الأخلاق ، وتتشابه الافعال ، وترى المتحابين بعد استقرار ولاية المحبة كأنهما شخص واحد ذو نفسية واحدة ، وإرادة واحدة ، وفعل واحد لا يخطئ أحدهما الآخرة في مسير الحياة ، ومستوى العشرة . فهذا هو الذي يوجب كون من تولى قوما منهم ولحوقه بهم ، وقد قيل : من أحب قوما فهو منهم ، والمرء مع من أحب ، وقد قال تعالى في نظيره نهيا عن موالاة المشركين : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق - إلى أن قال بعد عدة آيات - ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون " ( الممتحنة : 9 ) وقال تعالى : " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم " ( المجادلة : 22 ) ، وقال تعالى في تولى الكافرين - واللفظ عام يشمل اليهود والنصارى والمشركين جميعا - : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه " ( آل عمران : 28 ) والآية صريحة في ولاية المودة والمحبة دون الحلف والعهد ، وقد كان بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين اليهود ، وكذا بينه وبين المشركين يومئذ أعني زمان نزول سورة آل عمران معاهدات وموادعات . وبالجملة الولاية التي تقتضي بحسب الاعتبار لحوق قوم بقوم هي ولاية ، المحبة والمودة