صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين كأنهم نفس واحدة ذات ملة واحدة وليسوا على وحدة من الملية لكن
يبعث القوم على الاتفاق ، ويجعلهم يدا واحدة على المسلمين أن الاسلام يدعوهم إلى الحق ،
ويخالف أعز المقاصد عندهم وهو اتباع الهوى ، والاسترسال في مشتهيات النفس وملاذ الدنيا .
فهذا هو الذي جعل الطائفتين : اليهود والنصارى - على ما بينهما من الشقاق والعداوة
الشديدة - مجتمعا واحد يقترب بعضه من بعض ، ويرتد بعضه إلى بعض ، يتولى اليهود
النصارى وبالعكس ، ويتولى بعض اليهود بعضا ، وبعض النصارى بعضا ، وهذا معنى
إبهام الجملة : " بعضهم أولياء بعض " في مفرداتها ، والجملة في موضع التعليل لقوله : " لا
تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " والمعنى لا تتخذوهم أولياء لأنهم على تفرقهم وشقاقهم
فيما بينهم يد واحدة عليكم لا نفع لكم في الاقتراب منهم بالمودة والمحبة .
وربما أمكن أن يستفاد من قوله : " بعضهم أولياء بعض " معنى آخر ، وهو أن
لا تتخذوهم أولياء لأنكم إنما تتخذونهم أولياء لتنتصروا ببعضهم الذي هم أولياؤكم على
البعض الاخر ، ولا ينفعكم ذلك فإن بعضهم أولياء بعض فليسوا ينصرونكم على أنفسهم .
قوله تعالى : " ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين " التولي اتخاذ
الولي ، و " من " تبعيضية والمعنى أن من يتخذهم منكم أولياء فإنه بعضهم ، وهذا إلحاق
تنزيلي يصير به بعض المؤمنين بعضا من اليهود والنصارى ، ويؤل الامر إلى أن الايمان حقيقة
ذات مراتب مختلفة من حيث الشوب والخلوص ، والكدورة والصفاء كما يستفاد ذلك من
الآيات القرآنية قال تعالى : " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " ( يوسف : 106 (
وهذا الشوب والكدر هو الذي يعبر تعالى عنه بمرض القلوب فيما سيأتي من قوله : " فترى
الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم " .
فهؤلاء الموالون لأولئك أقوام عدهم الله تعالى من اليهود والنصارى وإن كانوا من
المؤمنين ظاهرا ، وأقل ما في ذلك أنهم غير سالكين سبيل الهداية الذي هو الايمان بل
سالكو سبيل اتخذه أولئك سبيلا يسوقه إلى حيث يسوقهم وينتهى به إلى حيث ينتهى بهم .
ولذلك علل الله سبحانه لحوقه بهم بقوله : " إن الله لا يهدى القوم الظالمين " فالكلام
في معنى : أن هذا الذي يتولاهم منكم هو منهم غير سالك سبيلكم لان سبيل الايمان
هو سبيل الهداية الإلهية ، وهذا المتولي لهم ظالم مثلهم ، والله لا يهدى القوم الظالمين .
والآية - كما ترى - تشتمل على أصل التنزيل أعني تنزيل من تولاهم من المؤمنين
تفسير الميزان — صفحة 373
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٧٣