تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ( الذاريات : 56 ) .
فكل ما تصرف فيه الانسان للسلوك به إلى حضرة القرب من الله وابتغاء مرضاته
فهو نعمة ، وإن انعكس الامر عاد نقمة في حقه ، فالأشياء في نفسها ، عزل ، وإنما هي
نعمة لاشتمالها على روح العبودية ، ودخولها من حيث التصرف المذكور تحت ولاية الله التي
هي تدبير الربوبية لشؤون العبد ، ولازمه أن النعمة بالحقيقة هي الولاية الإلهية ، وأن
الشئ إنما يصير نعمة إذا كان مشتملا على شئ منها ، قال تعالى : " الله ولى الذين آمنوا
يخرجهم من الظلمات إلى النور " ( البقرة : 257 ) وقال تعالى : " ذلك بأن الله مولى الذين
آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم " ( محمد : 11 ) وقال في حق رسوله : " فلا وربك
لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا
تسليما " ( النساء : 65 ) إلى غير ذلك .
فالاسلام وهو مجموع ما نزل من عند الله سبحانه ليعبده به عباده دين ، وهو من جهة
اشتماله - من حيث العمل به - على ولاية الله وولاية رسوله وأولياء الامر بعده نعمة .
ولا يتم ولاية الله سبحانه أي تدبيره بالدين لأمور عباده إلا بولاية رسوله ، ولا ولاية
رسوله إلا بولاية أولي الأمر من بعده ، وهى تدبيرهم لأمور الأمة الدينية بإذن من الله ،
قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " ( النساء :
59 ) وقد مر الكلام في معنى الآية ، وقال : " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا
الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " ( المائدة : 55 ) وسيجئ الكلام في
معنى الآية إن شاء الله تعالى .
فمصل معنى الآية اليوم - وهو اليوم الذي يئس فيه الذين كفروا من دينكم -
أكملت لكم مجموع المعارف الدينية التي أنزلتها إليكم بفرض الولاية ، وأتممت عليكم
نعمتي وهى الولاية التي هي إدارة أمور الدين وتدبيرها تدبيرا إلهيا ، فإنها كانت إلى اليوم
ولاية الله ورسوله ، وهى إنما تكفى ما دام الوحي ينزل ، ولا تكفى لما بعد ذلك من زمان
انقطاع الوحي ، ولا رسول بين الناس يحمى دين الله ويذب عنه بل من الواجب أن ينصب
من يقوم بذلك ، وهو ولى الامر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القيم على أمور الدين والأمة .
فالولاية مشروعة واحدة ، كانت ناقصة غير تامة حتى إذا تمت بنصب ولى الامر
تفسير الميزان — صفحة 181
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٨١