تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
وليس من المستحيل أن يتوفى الله المسيح ويرفعه إليه ويحفظه ، أو يحفظ لله حياته على نحو لا ينطبق على العادة الجارية عندنا فليس يقصر عن ذلك سائر ما يقتصه القرآن الكريم من معجزات عيسى نفسه في ولادته وحياته بين قومه ، وما يحكيه من معجزات إبراهيم وموسى وصالح وغيرهم ، فكل ذلك يجرى مجرى واحدا يدل الكتاب العزيز على ثبوتها دلالة لا مدفع لها إلا ما تكلفه بعض الناس من التأويل تحذرا من لزوم خرق العادة وتعطل قانون العلية العام ، وقد مر في الجزء الأول من هذا الكتاب استيفاء البحث عن الاعجاز وخرق العادة . وبعد ذلك كله فالآية التالية لا تخلو عن إشعار أو دلالة على حياته عليه السلام وعدم توفيه بعد . قوله تعالى : " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا " . " ان " نافية والمبتدء محذوف يدل عليه الكلام في سياق النفي ، والتقدير : وإن أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ، والضمير في قوله " به " وقوله " يكون " راجع إلى عيسى ، وأما الضمير في قوله " قبل موته " ففيه خلاف . فقد قال بعضهم : إن الضمير راجع إلى المقدر من المبتدء وهو أحد ، والمعنى : وكل واحد من أهل الكتاب يؤمن قبل موته بعيسى أي يظهر له قبيل الموت عند الاحتضار أن عيسى ، كان رسول الله وعبده حقا وإن كان هذا الايمان منه إيمانا لا ينتفع به ، ويكون عيسى شهيدا عليهم جميعا يوم القيامة سواء آمنوا به إيمانا ينتفع به أو إيمانا لا ينتفع به كمن آمن به عند موته . ويؤيده أن إرجاع ضمير " قبل موته " إلى عيسى يعود إلى ما ورد في بعض الأخبار أن عيسى حي لم يمت ، وأنه ينزل في آخر الزمان فيؤمن به أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وهذا يوجب تخصيص عموم قوله " وإن من أهل الكتاب " من غير مخصص ، فإن مقتضى الآية على هذا التقدير أن يكون يؤمن بعيسى عند ذلك النزول من السماء الموجودون من أهل الكتاب دون المجموع منهم ، ممن وقع بين رفع عيسى ونزوله فمات ولم يدرك زمان نزوله ، فهذا تخصيص لعموم الآية من غير مخصص ظاهر . وقد قال آخرون : إن الضمير راجع إلى عيسى عليه السلام والمراد به إيمانهم به عند