تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
والوجود ( الفساد التكويني ) فإن النشأة نشأة الكون والفساد ، وعالم التنازع في البقاء ولا كون إلا بفساد ، ولا حياة إلا بموت ، وهما متعانقان في هذا الوجود الطبيعي في النشأة الطبيعية ، وحاشا ان يبغض الله سبحانه ما هو مقدره وقاضيه . وانما هو الفساد المتعلق بالتشريع فإن الله انما شرع ما شرعه من الدين ليصلح به اعمال عباده فيصلح أخلاقهم وملكات نفوسهم فيعتدل بذلك حال الانسانية والجامعة البشرية ، وعند ذلك تسعد حياتهم في الدنيا وحياتهم في الآخرة على ما سيجئ بيانه في قوله تعالى : كان الناس أمه واحدة . فهذا الذي يخالف ظاهر قوله باطن قلبه إذا سعى في الأرض بالفساد فإنما يفسد بما ظاهره الاصلاح بتحريف الكلمة عن موضعها ، وتغيير حكم الله عما هو عليه ، والتصرف في التعاليم الدينية ، بما يؤدي إلى فساد الأخلاق واختلاف الكلمة ، وفي ذلك موت الدين ، وفناء الانسانية ، وفساد الدنيا ، وقد صدق هذه الآيات ما جرى عليه التاريخ من ولاية رجال وركوبهم أكتاف هذه الأمة الاسلامية ، وتصرفهم في أمر الدين والدنيا بما لم يستعقب للدين الا وبالا ، وللمسلمين الا انحطاط ، ا وللأمة الا اختلافا ، فلم يلبث الدين حتى صار لعبة لكل لاعب ، ولا الانسانية الا خطفة لكل خاطف ، فنتيجة هذا السعي فساد الأرض ، وذلك بهلاك الدين أولا ، وهلاك الانسانية ثانيا ، ولهذا فسر قوله ويهلك الحرث والنسل في بعض الروايات بهلاك الدين والانسانية كما سيأتي انشاء الله . قوله تعالى : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم وبئس المهاد ، العزة معروفة ، والمهاد الوطاء ، والظاهر أن قوله : بالاثم متعلق بالعزة ، والمعنى انه إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة الظاهرة التي اكتسبها بالاثم والنفاق المستبطن في نفسه ، وذلك أن العزة المطلقة انما هي من الله سبحانه كما قال تعالى : ( تعز من تشاء وتذل من تشاء ) آل عمران - 26 ، وقال تعالى : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) المنافقين - 8 ، وقال تعالى : ( أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا ) النساء - 139 . وحاشا ان ينسب تعالى شيئا إلى نفسه ويختصه بإعطائه ثم يستعقب اثما أو شرا فهذه العزة انما هي عزة يحسبها الجاهل بحقيقة الامر عزة بحسب ظاهر الحياة الدنيا
تفسير الميزان — صفحة 97 | السيد محمدحسين الطباطبائي