تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
فهذا ظاهر الآية ويجب أن يعلم : أن الآية إنما تدل على المحاسبة بما في النفوس سواء أظهر أو أخفي ، وأما كون الجزاء في صورتي الاخفاء والاظهار على حد سواء ، وبعبارة أخرى كون الجزاء دائرا مدار العزم سواء فعل أو لم يفعل وسواء صادف الفعل الواقع المقصود أو لم يصادف كما في صورة التجري مثلا فالآية غير ناظرة إلى ذلك . وقد أخذ القوم في معنى الآية مسالك شتى لما توهموا أنها تدل على المؤاخذة على كل خاطر نفساني مستقر في النفس أو غيره ، وليس الا تكليفا بما لا يطاق ، فمن ملتزم بذلك ومن مؤول يريد به التخلص . فمنهم من قال : إن الآية تدل على المحاسبة بكل ما يرد القلب ، وهو تكليف بما لا يطاق ، لكن الآية منسوخة بما يتلوها من قوله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها الآية . وفيه : أن الآية غير ظاهرة في هذا العموم كما مر . على أن التكليف بما لا يطاق غير جائز بلا ريب . على أنه تعالى يخبر بقوله : " وما جعل عليكم في الدين من حرج " الحج - 78 ، بعدم تشريعه في الدين ما لا يطاق . ومنهم من قال : إن الآية مخصوصة بكتمان الشهادة ومرتبطة بما تقدمتها من آية الدين المذكورة فيها وهو مدفوع بإطلاق الآية كقول من قال : إنها مخصوصة بالكفار . ومنهم من قال : إن المعنى : إن تبدوا بأعمالكم ما في أنفسكم من السوء بأن تتجاهروا وتعلنوا بالعمل أو تخفوه بأن تأتوا الفعل خفية يحاسبكم به الله . ومنهم من قال : ان المراد بالآية مطلق الخواطر الا أن المراد بالمحاسبة الاخبار أي جميع ما يخطر ببالكم سواء أظهرتموها أو أخفيتموها فان الله يخبركم به يوم القيامة فهو في مساق قوله تعالى : " فينبئكم بما كنتم تعملون " المائدة - 105 ، ويدفع هذا وما قبله بمخالفة ظاهر الآية كما تقدم . قوله تعالى : فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير ، الترديد في التفريع بين المغفرة والعذاب لا يخلو من الاشعار بأن المراد بما في النفوس هي الصفات والأحوال النفسانية السيئة ، وان كانت المغفرة ربما استعملت في القرآن في غير مورد المعاصي أيضا لكنه استعمال كالنادر يحتاج إلى مؤنة القرائن الخاصة . وقوله : إن الله تعليل راجع إلى مضمون الجملة الأخيرة ، أو إلى مدلول الآية بتمامها .
تفسير الميزان — صفحة 437 | السيد محمدحسين الطباطبائي