تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
من أعماله لاقتناء كمالاته الوجودية ، وبعبارة أخرى لرفع حوائجه المادية ، فهو يعمل عملا متعلقا بالمادة بوجه ، ويرفع به حاجته الحيوية ، فهو مالك لعمله وما عمله ( والعمل في هذا الباب أعم من الفعل والانفعال وكان نسبة ورابطة يرتب عليه الأثر عند أهل الاجتماع ) أي انه يخص ما عمل فيه من المادة لنفسه ، ويعده ملكا جائز التصرف لشخصه ، والعقلاء من أهل الاجتماع يجيزون له ذلك فافهم . لكنه لما كان لا يسعه ان يرفع جميع حوائجه بعمل نفسه وحده دعى ذلك إلى الاجتماع التعاوني وان ينتفع كل بعمل غيره وما حازه وملكه غيره بعمله ، فأدى ذلك إلى المعاوضة بينهم ، واستقر ذلك بأن يعمل الانسان في باب واحد أو في أبواب معدودة من أبواب العمل ويملك بذلك أشياء ثم يأخذ مقدار ما يرفع به حاجته ، ويعوض ما يزيد على حاجته مما ليس عنده من مال الغير ، وهذا أصل المعاملة والمعاوضة . غير أن التبائن التام بين الأموال والأمتعة من حيث النوع ، ومن حيث شدة الحاجة وضعفها ، ومن حيث كثرة الوجود وقلته يولد الاشكال في المعاوضة ، فإن الفاكهة لغرض الاكل ، والحمار لغرض الحمل ، والماء لغرض الشرب ، والجوهرة الثمينة للتقلد والتختم مثلا لها أوزان وقيم مختلفة في حاجة الحياة ، ونسب مختلفة لبعضها إلى بعض . فمست الحاجة إلى اعتبار القيمة بوضع الفلوس والدرهم والدينار ، وكان الأصل في وضعه : انهم جعلوا شيئا من الأمتعة العزيزة الوجود كالذهب مثلا أصلا يرجع إليه بقية الأمتعة والسلعات فكان كالواحد التام من النوع يجعل مقياسا لبقية افراده كالمثاقيل والمكائيل وغيرهما ، فكان الواحد من وجه النقد يقدر به القيمة العامة ويقوم به كل شئ من الأمتعة فيتعين به نسبة كل واحد منها بالنسبة إليه ونسبة بعضها إلى بعض . ثم إنهم لتعميم الفائدة وضعوا آحاد المقائيس للأشياء كواحد الطول من الذراع ونحوه ، وواحد الحجم وهو الكيل ، وواحد الثقل والوزن كالمن ونحوه ، وعند ذلك تعينت النسب وارتفع اللبس ، وبان مثلا ان القيراط من الألماس يعدل أربعة من الدنانير والمن من دقيق الحنطة عشر دينار واحد ، وتبين بذلك ان القيراط من الألماس يعدل أربعين منا من دقيق الحنطة مثلا وعلى هذا القياس . ثم توسعوا في وضع نقود أخر من أجناس شتى نفيسة أو رخيصة للتسهيل والتوسعة كنقود الفضة والنحاس والبرنز والورق والنوط على ما يشرحه كتب الاقتصاد .
تفسير الميزان — صفحة 428 | السيد محمدحسين الطباطبائي