تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
الحسن قبيحا وبالعكس ، أو يرى الحق باطلا وبالعكس جزافا بتصرف من الشيطان ، فهذا هو الذي لا يجوز نسبته إليه تعالى ، وأما ذهاب القوة المميزة وفساد حكمها تبعا لذهاب نفسها فلا محذور فيه سواء أسند إلى الطبيعة أو إلى الشيطان . على أن استناد الجنون إلى الشيطان ليس على نحو الاستقامة ومن غير واسطة بل الأسباب الطبيعية كاختلال الأعصاب والآفة الدماغية أسباب قريبة ورائها الشيطان ، كما أن أنواع الكرامات تستند إلى الملك مع تخلل الأسباب الطبيعية في البين ، وقد ورد نظير ذلك فيما حكاه الله عن أيوب عليه السلام إذ قال : " أني مسني الشيطان بنصب وعذاب " ص - 41 ، وإذ قال : " أني مسني الضر وأنت ارحم الراحمين " الأنبياء - 83 ، والضر هو المرض وله أسباب طبيعية ظاهرة في البدن ، فنسب ما به من المرض المستند إلى أسبابه الطبيعية إلى الشيطان . وهذا وما يشبهه ، من الآراء المادية التي دبت في أذهان عدة من أهل البحث من حيث لم يشعروا بها حيث إن أصحاب المادة لما سمعوا الإلهيين يسندون الحوادث إلى الله سبحانه ، أو يسندون بعضها إلى الروح أو الملك أو الشيطان اشتبه عليهم الامر فحسبوا أن ذلك إبطال للعلل الطبيعية وإقامة لما وراء الطبيعة مقامها ، ولم يفقهوا ان المراد به تعليل في طول تعليل لا في عرض تعليل ، وقد مرت الإشارة إلى ذلك في المباحث السابقة مرارا . وخامسا : فساد ما ذكره بعض آخر من المفسرين : ان المراد بالتشبيه بيان حال آكلي الربا يوم القيامة وأنهم سيقومون عن قبورهم يوم القيامة كالصريع الذي يتخبطه الجنون . ووجه الفساد ان ظاهر الآية على ما بينا لا يساعد هذا المعنى ، والرواية لا تجعل للآية ظهورا فيما ليست بظاهرة فيه ، وإنما تبين حال آكل الربا يوم القيامة . قال في تفسير المنار : وأما قيام آكل الربا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس فقد قال ابن عطية في تفسيره : المراد تشبيه المرابي في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يصرع بحركات مختلفة : قد جن . أقول : وهذا هو المتبادر ولكن ذهب الجمهور إلى خلافه وقالوا : ان المراد بالقيام القيام من القبر عند البعث ، وأن الله تعالى جعل من علامة المرابين يوم القيامة أنهم يبعثون كالمصروعين ، ورووا ذلك عن ابن عباس وابن مسعود بل روى الطبراني