تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
وثالثا : النكتة في قياس البيع بالربا دون العكس في قوله تعالى : ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ، ولم يقل : إنما الربا مثل البيع كما هو السابق إلى الذهن وسيجئ توضيحه . ورابعا : أن التشبيه أعني قوله : الذي يتخبطه الشيطان من المس لا يخلو عن إشعار بجواز تحقق ذلك في مورد الجنون في الجملة ، فان الآية وإن لم تدل على أن كل جنون هو من مس الشيطان لكنها لا تخلو عن إشعار بأن من الجنون ما هو بمس الشيطان ، وكذلك الآية وإن لم تدل على أن هذا المس من فعل إبليس نفسه فان الشيطان بمعنى الشرير ، يطلق على إبليس وعلى شرار الجن وشرار الانس ، وإبليس من الجن ، فالمتيقن من إشعار الآية ان للجن شأنا في بعض الممسوسين ان لم يكن في كلهم . وما ذكره بعض المفسرين أن هذا التشبيه من قبيل المجاراة مع عامة الناس في بعض اعتقاداتهم الفاسدة حيث كان اعتقادهم بتصرف الجن في المجانين ، ولا ضير في ذلك لأنه مجرد تشبيه خال عن الحكم حتى يكون خطأ غير مطابق للواقع ، فحقيقة معنى الآية ، أن هؤلاء الآكلين للربا حالهم حال المجنون الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وأما كون الجنون مستندا إلى مس الشيطان فأمر غير ممكن لان الله سبحانه أعدل من أن يسلط الشيطان على عقل عبده أو على عبده المؤمن . ففيه : انه تعالى أجل من أن يستند في كلامه إلى الباطل ولغو القول بأي نحو كان من الاستناد إلا مع بيان بطلانه ورده على قائله ، وقد قال تعالى : في وصف كلامه " كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " فصلت - 42 ، وقال تعالى : " انه لقول فصل وما هو بالهزل " الطارق - 14 . وأما أن استناد الجنون إلى تصرف الشيطان بإذهاب العقل ينافي عدله تعالى ، ففيه أن الاشكال بعينه مقلوب عليهم في إسنادهم ذهاب العقل إلى الأسباب الطبيعية ، فإنها أيضا مستنده بالآخرة إلى الله تعالى مع إذهابها العقل . على أنه في الحقيقة ليس في ذهاب العقل بإذهاب الله إياه إشكال . لان التكليف يرتفع حينئذ بارتفاع الموضوع ، وإنما الاشكال في أن ينحرف الادراك العقلي عن مجرى الحق وسنن الاستقامة مع بقاء موضوع العقل على حاله ، كان يشاهد الانسان العاقل
تفسير الميزان — صفحة 412 | السيد محمدحسين الطباطبائي