تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
بذل ما أريد بذله ، وبهذا المعنى يطلق عليه سبحانه ، فهو سبحانه واسع أي غني لا يعجزه بذل ما أراد بذله بل يقدر على ذلك . قوله تعالى : وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ، التابوت هو الصندوق ، وهو على ما قيل فعلوت من التوب بمعنى الرجوع لان الانسان يرجع إلى الصندوق رجوعا بعد رجوع . ( كلام في معنى السكينة ) والسكينة من السكون خلاف الحركة وتستعمل في سكون القلب وهو استقرار الانسان وعدم اضطراب باطنه في تصميم إرادته على ما هو حال الانسان الحكيم ( من الحكمة باصطلاح فن الأخلاق ) صاحب العزيمة في أفعاله ، والله سبحانه جعلها من خواص الايمان في مرتبة كماله ، وعدها من مواهبه السامية . بيان ذلك : ان الانسان بغريزته الفطرية يصدر أفعاله عن التعقل ، وهو تنظيم مقدمات عقلية مشتملة على مصالح الافعال ، وتأثيرها في سعادته في حياته والخير المطلوب في اجتماعه ، ثم استنتاج ما ينبغي ان يفعله وما ينبغي أن يتركه . وهذا العمل الفكري إذا جرى الانسان على أسلوب فطرته ولم يقصد إلا ما ينفعه نفعا حقيقيا في سعادته يجري على قرار من النفس وسكون من الفكر من غير اضطراب وتزلزل ، وأما إذا أخلد الانسان في حياته إلى الأرض واتبع الهوى اختلط عليه الامر ، وداخل الخيال بتزييناته وتنميقاته في أفكاره وعزائمه فأورث ذلك انحرافه عن سنن الصواب تارة ، وتردده واضطرابه في عزمه وتصميم إرادته وإقدامه على شدائد الأمور وهزاهزها أخرى . والمؤمن بإيمانه بالله تعالى مستند إلى سناد لا يتحرك وركن لا ينهدم . بانيا أموره على معارف حقة لا تقبل الشك والريب ، مقدما في أعماله عن تكليف الهي لا يرتاب فيها ، ليس إليه من الامر شئ حتى يخاف فوته ، أو يحزن لفقده ، أو يضطرب في تشخيص خيره من شره .