تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
اثم غير أنه لم يبين ان الاثم ما هو وان في الخمر اثما كبيرا . ولعل ذلك انما كان نوعا من الارفاق والتسهيل لما في السكوت عن البيان من الاغماض كما يشعر به أيضا قوله تعالى : " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا " النحل 67 ، والآية أيضا مكية ، وكأن الناس لم يكونوا متنبهين بما فيه من الحرمة الكبيرة حتى نزلت قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " النساء - 43 ، والآية مدنية وهي تمنع الناس بعض المنع عن الشرب والسكر في أفضل الحالات وفي أفضل الأماكن وهي الصلاة في المسجد . والاعتبار وسياق الآية الشريفة يأبى ان تنزل بعد آية البقرة وآيتي المائدة فإنهما تدلان على النهي المطلق ، ولا معنى للنهي الخاص بعد ورود النهى المطلق ، على أنه ينافي التدريج المفهوم من هذه الآيات فإن التدريج سلوك من الأسهل إلى الأشق لا بالعكس . ثم نزلت آية البقرة أعني قوله تعالى : " ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما " وهذه الآية بعد آية النساء كما مر بيانه وتشتمل الآية على التحريم لدلالتها القطعية على الاثم في الخمر " فيهما إثم كبير " وتقدم نزول آية الأعراف المكية الصريحة في تحريم الاثم . ومن هنا يظهر : فساد ما ذكره بعض المفسرين : ان آية البقرة ما كانت صريحة في الحرمة فإن قوله تعالى : " قل فيهما إثم كبير " لا يدل على أزيد من أن فيه إثما والاثم هو الضرر ، وتحريم كل ضار لا يدل على تحريم ما فيه مضرة من جهة ومنفعة من جهة أخرى ، ولذلك كانت هذه الآية موضعا لاجتهاد الصحابة ، فترك لها الخمر بعضهم وأصر على شربها آخرون ، كأنهم رأوا انهم يتيسر لهم ان ينتفعوا بها مع اجتناب ضررها فكان ذلك تمهيدا للقطع بتحريمها فنزل قوله تعالى : " إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان إلى قوله تعالى : فهل أنتم منتهون " . وجه الفساد أما أولا : فإنه أخذ الاثم بمعنى الضرر مطلقا وليس الاثم هو الضرر ومجرد مقابلته في الكلام مع المنفعة لا يستدعي كونه بمعنى الضرر المقابل للنفع ، وكيف يمكن أخذ الاثم بمعنى الضرر في قوله تعالى : " ومن يشرك بالله فقد افترى إثما