تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
أن ينسب الكراهة والتثاقل إلى قوم فيهم كاره وغير كاره وأكثرهم كارهون ، فهذا وجه . وإما لان المؤمنين كانوا يرون ان القتال مع الكفار مع ما لهم من العدة والقوة لا يتم على صلاح الاسلام والمسلمين ، وان الحزم في تأخيره حتى يتم لهم الاستعداد بزيادة النفوس وكثرة الأموال ورسوخ الاستطاعة ، ولذلك كانوا يكرهون الاقدام على القتال والاستعجال في النزال ، فبين تعالى أنهم مخطئون في هذا الرأي والنظر ، فإن لله أمرا في هذا الامر هو بالغه ، وهو العالم بحقيقة الامر وهم لا يعلمون إلا ظاهره وهذا وجه آخر . وإما لان المؤمنين لكونهم متربين بتربية القرآن تعرق فيهم خلق الشفقة على خلق الله ، وملكة الرحمة والرأفة فكانوا يكرهون القتال مع الكفار لكونه مؤديا إلى فناء نفوس منهم في المعارك على الكفر ، ولم يكونوا راضين بذلك بل كانوا يحبون أن يداروهم ويخالطوهم بالعشرة الجميلة ، والدعوة الحسنة لعلهم يسترشدوا بذلك ، ويدخلوا تحت لواء الايمان فيحفظ نفوس المؤمنين من الفناء ، ونفوس الكفار من الهلاك الأبدي والبوار الدائم ، فبين ذلك انهم مخطئون في ذلك ، فإن الله - وهو المشرع لحكم القتال - يعلم أن الدعوة غير مؤثرة في تلك النفوس الشقية الخاسرة ، وانه لا يعود من كثير منهم عائد إلى الدين ينتفع به في دنيا أو آخرة ، فهم في الجامعة الانسانية كالعضو الفاسد الساري فساده إلى سائر الأعضاء ، الذي لا ينجع فيه علاج دون أن يقطع ويرمي به ، وهذا أيضا وجه . فهذه وجوه يوجه بها قوله تعالى : ( وهو كره لكم ) إلا أن الأول أنسب نظرا إلى ما أشير إليه من آيات العتاب ، على أن التعبير في قوله : كتب عليكم القتال ، بصيغة المجهول على ما مر من الوجه يؤيد ذلك . قوله تعالى : وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، قد مر فيما مر ان أمثال عسى ولعل في كلامه تعالى مستعمل في معنى الترجي ، وليس من الواجب قيام صفة الرجاء بنفس المتكلم بل يكفي قيامها بالمخاطب أو بمقام التخاطب ، فالله سبحانه إنما يقول : عسى ان يكون كذا لا لأنه يرجوه ، تعالى عن ذلك ، بل ليرجوه المخاطب أو