تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
القدرة ، وفيهم الضعفاء ومن في رتبتهم ، وهو منشأ ظهور الاختلاف الاختلاف الفطري الذي دعت إليه قريحة الاستخدام ، كما دعت هذه القريحة بعينها إلى الاجتماع والمدنية . ولا ضير في تزاحم حكمين فطريين ، إذا كان فوقهما ثالث يحكم بينهما ، ويعدل أمرهما ، ويصلح شأنهما ، وذلك كالانسان تتسابق قواه في أفعالها ، ويؤدي ذلك إلى التزاحم ، كما أن جاذبة التغذي تقضي بأكل ما لا تطيق هضمه الهاضمة ولا تسعه المعدة ، وهناك عقل يعدل بينهما ، ويقضي لكل بما يناسبه ، ويقدر فعل كل واحدة من هذه القوى الفعالة بما لا يزاحم الأخرى في فعلها . والتنافي بين حكمين فطريين فيما نحن فيه من هذا القبيل ، فسلوك فطرة الانسان إلى المدنية ثم سلوكها إلى الاختلاف يؤديان إلى التنافي ، ولكن الله يرفع التنافي برفع الاختلاف الموجود ببعث الأنبياء بالتبشير والانذار ، وانزال الكتاب الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه . وبهذا البيان يظهر فساد ما ذكره بعضهم : ان المراد بالآية ان الناس كانوا أمة واحدة على الهداية ، لان الاختلاف انما ظهر بعد نزول الكتاب بغيا بينهم ، والبغي من حملة الكتاب ، وقد غفل هذا القائل عن أن الآية تثبت اختلافين اثنين لا اختلافا واحدا ، وقد مر بيانه ، وعن ان الناس لو كانوا على الهداية فإنها واحدة من غير اختلاف ، فما هو الموجب بل ما هو المجوز لبعث الأنبياء وانزال الكتاب وحملهم على البغي بالاختلاف ، وإشاعة الفساد ، وإثارة غرائز الكفر والفجور ومهلكات الأخلاق مع استبطانها ؟ ويظهر به أيضا : فساد ما ذكره آخرون ان المراد بها ان الناس كانوا أمة واحدة على الضلالة ، إذ لولاها لم يكن وجه لترتب قوله تعالى : فبعث الله النبيين " الخ " ، وقد غفل هذا القائل عن أن الله سبحانه يذكر ان هذا الضلال الذي ذكره وهو الذي أشار إليه بقوله سبحانه : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، انما نشاء عن سوء سريرة حملة الكتاب وعلماء الدين بعد نزول الكتاب ، وبيان آياته للناس ، فلو كانوا على الضلالة قبل البعث والانزال وهي ضلالة الكفر والنفاق والفجور والمعاصي فما المصحح لنسبة ذلك إلى حملة الكتاب وعلماء الدين ؟