القلب وسكونه وعدم اضطرابه وقلقه من جهة تعلقه بالأسباب الظاهرية وإسناده المصائب
والنوائب المرة إليها دون الله سبحانه .
وهذا معنى قوله تعالى : " ومن يؤمن بالله يهد قلبه " .
وقيل : معنى الجملة : ومن يؤمن بتوحيد الله ويصبر لأمر الله يهد قلبه للاسترجاع حتى
يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وفيه إدخال الصبر في معنى الايمان .
وقيل : المعنى : ومن يؤمن بالله يهد قلبه إلى ما عليه أن يفعل فإن ابتلى صبر وإن
أعطي شكر وإن ظلم غفر ، وهذا الوجه قريب مما قدمناه .
وقوله : " والله بكل شئ عليم " تأكيد للاستثناء المتقدم ، ويمكن أن يكون إشارة
إلى ما يفيده قوله : " ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل
أن نبرأها " الحديد : 22 .
قوله تعالى : " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين "
ظاهر تكرار " أطيعوا " دون أن يقال : أطيعوا الله والرسول اختلاف المراد بالإطاعة ،
فالمراد بإطاعة الله تعالى الانقياد له فيما شرعه لهم من شرائع الدين والمراد بإطاعة الرسول
الانقياد له وامتثال ما يأمر به بحسب ولايته للأمة على ما جعلها الله له .
وقوله : " فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين " التولي الاعراض ، والبلاغ التبليغ ،
والمعنى : فإن أعرضتم عن إطاعة الله فيما شرع من الدين أو عن إطاعة الرسول فيما أمركم
به بما أنه ولي أمركم ، فلم يكرهكم رسولنا على الطاعة فإنه لم يؤمر بذلك ، وإنما أمر
بالتبليغ وقد بلغ .
ومن هنا يظهر أن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما وراء الاحكام والشرائع من تبليغ رسالة الله
فأمره ونهيه فيما توليه من أمر الله ونهيه ، وطاعته فيهما من طاعة الله تعالى كما يدل عليه
إطلاق قوله تعالى : " وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله " النساء : 64 . الظاهر
في أن طاعة الرسول فيما يأمر وينهى مطلقا مأذون فيه بإذن الله ، وإذنه في طاعته يستلزم
علمه ومشيته لطاعته ، وإرادة طاعة الأمر والنهي إرادة لنفس الأمر والنهي فأمر النبي
صلى الله عليه وآله وسلم ونهيه من أمر الله ونهيه وإن كان فيما وراء الاحكام والشرائع المجعولة له تعالى .
ولما تقدم من رجوع طاعة الرسول إلى طاعة الله التفت من الغيبة إلى الخطاب في قوله :
تفسير الميزان — صفحة 305
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٠٥