تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
به ، وكون الأموال والبنين فتنة إنما هو لكونهما زينة الحياة تنجذب إليهما النفس انجذابا فتفتتن وتلهو بهما عما يهمها من أمر آخرته وطاعة ربه ، قال تعالى : " المال والبنون زينة الحياة الدنيا " الكهف : 46 . والجملة كناية عن النهي عن التلهي بهما والتفريط في جنب الله باللي إليهما ويؤكده قوله : " والله عنده أجر عظيم " . قوله تعالى : " فاتقوا الله ما استطعتم " الخ ، أي مبلغ استطاعتكم - على ما يفيده السياق فإن السياق سياق الدعوة والندب إلى السمع والطاعة والانفاق والمجاهدة في الله - والجملة تفريع على قوله : " إنما أموالكم " الخ ، فالمعنى : اتقوه مبلغ استطاعتكم ولا تدعوا من الاتقاء شيئا تسعه طاقتكم وجهدكم فتجري الآية مجرى قوله : " اتقوا الله حق تقاته " آل عمران : 102 ، وليست الآية ناظرة إلى نفي التكليف بالاتقاء فيما وراء الاستطاعة وفوق الطاقة كما في قوله : " ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " البقرة : 286 . وقد بان مما مر : أولا : أن لا منافاة بين الآيتين أعني قوله : " فاتقوا الله ما استطعتم " وقوله : " اتقوا الله حق تقاته " وأن الاختلاف بينهما كالاختلاف بالكمية والكيفية ، فقوله : " فاتقوا الله ما استطعتم " أمر باستيعاب جميع الموارد التي تسعها الاستطاعة بالتقوى ، وقوله : " اتقوا الله حق تقاته " أمر بالتلبس في كل من موارد التقوى بحق التقوى دون شبحها وصورتها . وثانيا : فساد قول بعضهم : إن قوله : " فاتقوا الله ما استطعتم " ناسخ لقوله : " اتقوا الله حق تقاته " وهو ظاهر . وقوله : " واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم " توضيح وتأكيد لقوله : " فاتقوا الله ما استطعتم " والسمع الاستجابة والقبول وهو في مقام الالتزام القلبي ، والطاعة الانقياد وهو في مقام العمل ، والانفاق المراد به بذل المال في سبيل الله . و " خيرا لأنفسكم " منصوب بمحذوف - على ما في الكشاف - والتقدير آمنوا خيرا لأنفسكم ، ويحتمل أن يكون " أنفقوا " مضمنا معنى قدموا أو ما يقرب منه بقرينة المقام ، وفي قوله : " لأنفسكم " دون أن يقال : خيرا لكم زيادة تطييب لنفوسهم أي إن الانفاق خير لكم لا ينتفع به إلا أنفسكم لما فيه من بسط أيديكم وسعة قدرتكم على رفع حوائج مجتمعكم .
تفسير الميزان — صفحة 308 | السيد محمدحسين الطباطبائي