وفي قوله : " والنور الذي أنزلنا " التفات من الغيبة إلى التكلم مع الغير ولعل النكتة
فيه تتميم الحجة بالسلوك من طريق الشهادة وهي أقطع للعذر فكم فرق بين قولنا :
والنور الذي أنزل وهو إخبار ، وقوله : " والنور الذي أنزلنا " ففيه شهادة منه تعالى
على أن القرآن كتاب سماوي نازل من عنده تعالى ، والشهادة آكد من الاخبار المجرد .
لا يقال : ماذا ينفع ذلك وهم ينكرون كون القرآن كلامه تعالى النازل من عنده ولو
صدقوا ذلك كفاهم ما مر من الحجة على المعاد وأغنى عن التمسك بذيل الالتفات المذكور .
لأنه يقال : كفى في إبطال إنكارهم كونه كلام الله ما في القرآن من آيات التحدي
المثبتة لكونه كلام الله ، والشهادة على أي حال آكد وأقوى من الاخبار وإن كان مدللا .
وقوله : " والله بما تعملون خبير " تذكرة بعلمه تعالى بدقائق أعمالهم ليتأكد به الامر
في قوله : " فآمنوا " والمعنى : آمنوا وجدوا في إيمانكم فإنه عليم بدقائق أعمالكم لا يغفل عن
شئ منها وهو مجازيكم بها لا محالة .
قوله تعالى : " يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن " الخ ، " يوم " ظرف لقوله
السابق : " لتبعثن ثم لتنبؤن " الخ ، والمراد بيوم الجمع يوم القيامة الذي يجمع فيه الناس
لفصل القضاء بينهم قال تعالى : " ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا " الكهف : 99 ، وقد
تكرر في القرآن الكريم حديث الجمع ليوم القيامة ، ويفسره أمثال قوله تعالى : " إن
ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " الجاثية : 17 ، وقوله : " فالله يحكم
بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " البقرة : 113 ، وقوله : " إن ربك هو يفصل بينهم
يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون " السجدة : 25 ، فالآيات تشير إلى أن جمعهم للقضاء بينهم .
وقوله : " ذلك يوم التغابن " قال الراغب : الغبن أن تبخس صاحبك في معاملة بينك
وبينه بضرب من الاخفاء . قال : ويوم التغابن يوم القيامة لظهور الغبن في المعاملة المشار
إليها بقوله : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " وبقوله : " إن الله اشترى
من المؤمنين " الآية ، وبقوله : " الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا " فعلموا أنهم
غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوه من ذلك جميعا .
وسئل بعضهم عن يوم التغابن فقال : تبدو الأشياء لهم بخلاف مقاديرهم في الدنيا .
انتهى موضع الحاجة .
وما ذكره أولا مبني على تفسير التغابن بسريان المغبونية بين الكفار بأخذهم لمعاملة
تفسير الميزان — صفحة 300
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٣٠٠