قوله تعالى : ( والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك
تخرجون ) قيد تنزيل الماء بقدر للإشارة إلى أنه عن إرادة وتدبير لا كيف اتفق
والانشار الاحياء ، والميت مخفف الميت بالتشديد ، وتوصيف البلدة به باعتبار أنها
مكان لان البلدة أيضا انما تتصف بالموت والحياة باعتبار أنها مكان ، والالتفات عن
الغيبة إلى التكلم مع الغير في ( أنشرنا ) لاظهار العناية .
ولما استدل بتنزيل الماء بقدر واحياء البلدة الميتة على خلقه وتدبيره استنتج منه
أمر آخر لا يتم التوحيد الا به وهو المعاد الذي هو رجوع الكل إليه تعالى فقال :
( كذلك تخرجون ) أي كما أحيا البلدة الميتة كذلك تبعثون من قبوركم أحياء .
قيل : في التعبير عن اخراج النبات بالانشار الذي هو احياء الموتى وعن احيائهم
بالاخراج تفخيم لشأن الانبات وتهوين لأمر البعث لتقويم سنن الاستدلال وتوضيح
منهاج القياس .
قوله تعالى : ( والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما
تركبون ) قيل : المراد بالأزواج أصناف الموجودات من ذكر وأنثى وأبيض وأسود
وغيرها ، وقيل : المراد الزوج من كل شئ فكل ما سوى الله كالفوق وتحت واليمين
واليسار والذكر والأنثى زوج .
وقوله : ( وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون ) أي تركبونه ، والركوب
إذا نسب إلى الحيوان كالفرس والإبل تعدى بنفسه فيقال : ركبت الفرس وإذا نسب
إلى مثل الفلك والسفينة تعدى بفي فيقال ركب فيه قال تعالى : ( وإذا ركبوا في الفلك )
ففي قوله : ( ما تركبون ) أي تركبونه تغليب لجانب الانعام .
قوله تعالى : ( لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه
وتقولوا - إلى قوله - لمنقلبون ) الاستواء على الظهور الاستقرار عليها ، والضمير في
( ظهوره ) راجع إلى لفظ الموصول في ( ما تركبون ) ، والضمير في قوله : ( إذا
استويتم عليه ) للموصول أيضا فكما يقال : استويت على ظهر الدابة يقال : استويت
على الدابة .
والمراد بذكر نعمة الرب سبحانه بعد الاستواء على ظهر الفلك والانعام ذكر
النعم التي ينتفع بها الانسان بتسخيره تعالى له هذه المراكب كالانتقال من مكان إلى
تفسير الميزان — صفحة 87
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٨٧