فقولهم : ( إن هي إلا موتتنا الأولى ) الضمير فيه للعاقبة والنهاية أي ليست
عاقبة أمرنا ونهاية وجودنا وحياتنا إلا موتتنا الأولى فنعدم بها ولا حياة بعدها أبدا .
ووجه تقييد الموتة في الآية بالأولى ، بأنه ليس بقيد احترازي إذ لا ملازمة بين
الأول والاخر أو بين الأول والثاني فمن الجائز أن يكون هناك شئ أول ولا ثاني له
ولا في قباله آخر ، كذا قيل .
وهناك وجه آخر ذكره الزمخشري في الكشاف فقال : فإن قلت : كان الكلام
واقعا في الحياة الثانية لا في الموت فهلا قيل : إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين
كما قيل : إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ، وما معنى قوله : ( إلا موتتنا
الأولى ) ؟ وما معنى ذكر الأولى ؟ كأنهم وعدوا موتة أخرى حتى نفوها وجحدوها
وأثبتوا الأولى .
قلت : معناه - والله الموفق للصواب - أنهم قيل لهم : إنكم تموتون موتة تتعقبها
حياة كما تقدمتكم موتة قد تعقبتها حياة وذلك قوله عز وجل : ( وكنتم أمواتا فأحياكم
ثم يميتكم ثم يحييكم ) فقالوا : إن هي إلا موتتنا الأولى يريدون ما الموتة التي من شأنها
أن تتعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية ، وما هذه الصفة التي تصفون بها
الموتة من تعقب الحياة لها إلا للموتة الأولى خاصة فلا فرق إذا بين هذا وبين قوله :
( إن هي إلا حياتنا الدنيا ) في المعنى انتهى .
ويمكن أن يوجه بوجه ثالث وهو أن يقولوا : ( إن هي إلا موتتنا الأولى ) بعد
ما سمعوا قوله تعالى : ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) الآية ، وقد تقدم في
تفسير الآية أن الإماتة الأولى هي الموتة بعد الحياة الدنيا ، والإماتة الثانية هي التي بعد
الحياة البرزخية فهم في قولهم : ( إن هي إلا موتتنا الأولى ) ينفون الموتة الثانية
الملازمة للحياة البرزخية التي هي حياة بعد الموت فإنهم يرون موت الانسان انعداما له
وبطلانا لذاته .
ويمكن أن يوجه بوجه رابع وهو أن يرجع التقيد بالأولى إلى الحكاية دون
المحكي وذلك بأن يكون الذي قالوا إنما هو ( إن هي إلا موتتنا ) ويكون معنى الكلام
تفسير الميزان — صفحة 145
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٤٥