الذين جاؤوا بالإفك " الآية وقوله : " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم
خيرا " الآية ، وقوله : " تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم "
الآية ، فمحصل الآيات أنه كان هناك جماعة مرتبط بعضهم ببعض يذيعون الحديث
ليفضحوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان الناس يتداولونه لسانا عن لسان حتى شاع بينهم
ومكثوا على ذلك زمانا وهم لا يراعون حرمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكرامته من الله ، وأين
مضمون هذه الروايات من ذلك .
اللهم إلا أن تكون الروايات قاصرة في شرحها للقصة .
وأما ثانيا : فقد كان مقتضى القصة وظهور براءتها إجراء الحد ولم يجر ، ولا
مناص عن هذا الاشكال إلا بالقول بنزول آية القذف بعد قصة الإفك بزمان .
والذي ينبغي أن يقال بالنظر إلى إشكال الحد الوارد على الصنفين من الروايات
جميعا - كما عرفت - أن آيات الإفك نزلت قبل آية حد القذف ، ولم يشرع بنزول آيات
الإفك إلا براءة المقذوف مع عدم قيام الشهادة وتحريم القذف .
ولو كان حد القاذف مشروعا قبل حديث الإفك لم يكن هناك مجوز لتأخيره
مدة معتدا بها وانتظار الوحي ، ولا نجا منه قاذف منهم ، ولو كان مشروعا مع نزول
آيات الإفك لاشير فيها إليه ، ولا أقل باتصال الآيات بآية القذف ، والعارف أساليب
الكلام لا يرتاب في أن قوله : " إن الذين جاؤوا بالإفك " الآيات منقطعة عما قبلها .
ولو كان على من قذف أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدان لاشير إلى ذلك في خلال آيات
الإفك بما فيها من التشديد واللعن والتهديد بالعذاب على القاذفين .
ويتأكد الاشكال على تقدير نزول آية القذف مع نزول آيات الإفك فإن لازمه
أن يقع الابتلاء بحكم الحدين فينزل حكم الحد الواحد .
وفي الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن
أبي عبد الله قال : من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين
قال الله عز وجل : " إن الذين يحبون - إلى قوله - والآخرة " .
أقول : ورواه القمي في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام عنه عليه السلام
تفسير الميزان — صفحة 105
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٠٥