بالسلام الذي فيه إحسان وإعطاء أمن ، ووعده أن يستغفر له ربه وأن يعتزلهم وما
يدعون من دون الله كما أمره أن يهجره مليا .
أما السلام فهو من دأب الكرام قابل به جهالة أبيه إذ هدده بالرجم وطرده
لكلمة حق قالها ، قال تعالى وإذا مروا باللغو مروا كراما " الفرقان : 72 ،
وقال : " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " الفرقان : 63 ، وأما ما قيل : إنه كان
سلام توديع وتحية مفارقة وهجرة امتثالا لقوله : " واهجرني مليا " ففيه أنه اعتزله
وقومه بعد مدة غير قصيرة .
وأما استغفاره لأبيه وهو مشرك فظاهر قوله : " يا أبت إني أخاف أن يمسك
عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا " أنه عليه السلام لم يكن وقتئذ قاطعا بكونه من
أولياء الشيطان أي مطبوعا على قلبه بالشرك جاحدا معاندا للحق عدوا لله سبحانه
ولو كان قاطعا لم يعبر بمثل قوله : " إني أخاف " بل كان يحتمل أن يكون جاهلا
مستضعفا لو ظهر له الحق اتبعه ، ومن الممكن أن تشمل الرحمة الإلهية لأمثال هؤلاء
قال تعالى : " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يجدون حيلة ولا يهتدون
سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا " النساء : 99 ، فاستعطفه
عليه السلام بوعد الاستغفار ولم يحتم له المغفرة بل أظهر الرجاء بدليل قوله : " إنه كان بي
حفيا " وقوله تعالى : " إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن ؟ ؟ لك وما أملك لك من الله من
شئ " الممتحنة : 4 .
ويؤيد ما ذكر قوله تعالى : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين
ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، وما كان استغفار
إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرا منه إن إبراهيم
لاواه حليم " التوبة : 114 ، فتبريه بعد تبين عداوته دليل على أنه كان قبل ذلك
عند الموعدة يرجو أن يكون غير عدو لله مع كونه مشركا ، وليس ذلك إلا الجاهل
غير المعاند .
ويؤيد هذا النظر قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم
أولياء تلقون إليهم بالمودة إلى - أن قال - لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم
تفسير الميزان — صفحة 60
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٦٠