تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الميزان — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
وفي الجملة أعني قوله : ( وما أمر فرعون برشيد ) وضع الظاهر موضع المضمر والأصل ( أمره ) ولعل الفائدة فيه ما يفيده اسم فرعون من الدليل على عدم رشد الامر ولا يستفاد ذلك من الضمير البتة . قوله تعالى : ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود ) أي يقدم فرعون قومه فإنهم اتبعوا أمره فكان إماما لهم من أئمة الضلال ، قال تعالى : ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) القصص : 41 وقوله : ( فأوردهم النار ) تفريع على سابقه أي يقدمهم فيوردهم النار ، والتعبير بلفظ الماضي لتحقق الوقوع ، وربما قيل : تفريع على قوله : ( فاتبعوا أمر فرعون ) أي اتبعوه فأوردهم الاتباع النار وقد استدل لتأييد هذا المعنى بقوله : ( وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) المؤمن : 46 حيث تدل الآيات على تعذيبهم من حين الموت قبل يوم القيامة هذا ، ولا يخفى ان الآيات ظاهرة في خلاف ما استدل بها عليه لتعبيرها في العذاب قبل يوم القيامة بالعرض غدوا وعشيا ، وفي يوم القيامة بالدخول في أشد العذاب الذي سجل فيها أنه النار . وقوله : ( وبئس الورد المورود ) الورد هو الماء الذي يرده العطاش من الحيوان والانسان للشرب ، قال الراغب في المفردات : الورود أصله قصد الماء ثم يستعمل في غيره يقال : وردت الماء أرد ورودا فأنا وارد والماء مورود . وقد أوردت الإبل الماء قال : ( ولما ورد ماء مدين ) والورد الماء المرشح للورود . انتهى . وعلى هذا ففي الكلام استعارة لطيفة بتشبيه الغاية التي يقصدها الانسان في الحياة لمساعيه المبذولة بالماء الذي يقصده العطشان فعذب السعادة التي يقصدها الانسان بأعماله ورد يرده ، وسعادة الانسان الأخيرة هي رضوان الله والجنة لكنهم لما غووا باتباع أمر فرعون وأخطأوا سبيل السعادة الحقيقية تبدلت غايتهم إلى النار فكانت النار هو الورد الذي يردونه ، وبئس الورد المورود ، لان الورد هو الذي يخمد لهيب الصدر ويروى الحشا العطشان وهو عذب الماء ونعم المنهل السائغ وأما إذا تبدل إلى عذاب النار فبئس الورد المورود .