فعد الاشراك ممكنا ولذلك نهى عنه ، والنهى لا يمكن الا عن ممكن
مقدور بخلاف الاستكبار عن العبادة فإنه لا يجامعها .
والعبودية انما يستقيم بين العبيد ومواليهم فيما يملكه الموالي منهم ، واما ما لا يتعلق
به الملك من شؤون وجود العبد ككونه ابن فلان أو ذا طول في قامته فلا يتعلق به
عبادة ولا عبودية ، لكن الله سبحانه في ملكه لعباده على خلاف هذا النعت فلا ملكه
يشوبه ملك ممن سواه ولا ان العبد يتبعض في نسبته إليه تعالى فيكون شئ منه
مملوكا وشئ ، آخر غير مملوك ، ولا تصرف من التصرفات فيه جائز وتصرف آخر غير
جائز كما أن العبيد فيما بيننا شئ منهم مملوك وهو أفعالهم الاختيارية وشئ غير مملوك
وهو الأوصاف الاضطرارية ، وبعض التصرفات فيهم جائز كالاستفادة من فعلهم
وبعضها غير جائز كقتلهم من غير جرم مثلا ، فهو تعالى مالك على الاطلاق من غير
شرط ولا قيد وغيره مملوك على الاطلاق من غير شرط ولا قيد فهناك حصر
من جهتين ، الرب مقصور في المالكية ، والعبد مقصور في العبودية ، وهذه هي التي
يدل عليه قوله : إياك نعبد حيث قدم المفعول واطلقت العبادة .
ثم إن الملك حيث كان مقتوم الوجود بمالكه كما عرفت مما مر ، فلا يكون حاجبا
عن مالكه ولا يحجب عنه ، فإنك إذا نظرت إلى دار زيد فان نظرت إليها من جهة
انها دار أمكنك ان تغفل عن زيد ، وان نظرت إليها بما انها ملك زيد لم يمكنك الغفلة
عن مالكها وهو زيد .
ولكنك عرفت ان ما سواه تعالى ليس له الا المملوكية فقط وهذه حقيقته فشئ منه
في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى ، ولا النظر إليه يجامع الغفلة عنه تعالى ، فله تعالى
الحضور المطلق ، قال سبحانه : ( أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد ألا انهم
في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شئ محيط ) حم السجدة - 54 وإذا كان كذلك
فحق عبادته تعالى ان يكون عن حضور من الجانبين .
اما من جانب الرب عز وجل ، فان يعبد عبادة معبود حاضر وهو الموجب
للالتفات ( المأخوذ في قوله تعالى إياك نعبد ) عن الغيبة إلى الحضور .
تفسير الميزان — صفحة 25
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٥