الفاعل لما يشاء بما يشاء كيف يشاء .
وانّما نبحث في هذا الكتاب عن مسائل لنا طريق إلى فهمها وإدراكها ، وفي محدودة تلك الخصوصيّة والإدراك ، ونسكت عن الباقي .
فظهر أنّ القبر إمّا للبدن المادّىّ : وهو المتفاهم المحسوس الممسوس لنا ، يوارى ويغطَّى الجسد إذا عرض له الموت .
أو للروح المطلق في الأبدان : وهو ما يغطَّيه ويحجبه من الصفات الحيوانيّة والتمايلات النفسانيّة والتعلَّقات المادّيّة الَّتى توجب ظلمة وانكدارا ومحدوديّة ومحجوبيّة له ، ويضاف إليها البدن البرزخىّ بعد الموت .
أو للروح المتزكَّى المتوجّه : وهو الأنانيّة بمراتبها من التكبّر والرياء ورؤية النفس ، فيكون مقبورا ، ومحجوبا بها ، وإن تنزّه عن سائر الصفات الحيوانيّة والتعلَّقات المادّيّة .
فيتصوّر للنشر أيضا مراتب ثلث ، فانّ بعد كلّ مرتبة من القبر والتغطَّى والتحجّب نشرا وبسطا من تلك المحدوديّة والانقباض .
* ( وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ ا للهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) * - 22 / 7 . * ( أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ ) * - 100 / 9 . * ( وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ) * - 82 / 4 ظاهر التعبير بالبعث والبعثرة وبالقبور وبمن فيها وبما فيها : يدلّ على بعث لذوي العقلاء من قبورهم - في الآية الأولى . وبعث مطلق ما يكون في القبور - كما في الآية الثانية . وبعثرة في نفس القبور - كما في الآية الثالثة .
ثمّ إنّ البعث : بمعنى الاختيار والرفع للعمل بوظيفة ، كبعث الرسول . والبعثرة : بعث شديد مع تقلَّب .
وعبّر في الآية الأولى بالبعث : لتناسبه بذوي العقل والاختيار ، كما أن البعثرة والتقلَّب يناسب القبور وما فيها .
والآية الأولى : في مقام إظهار القدرة والتكوين والتقدير .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 176
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٧٦