أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو سكون اللهب والجمر معا ، وإذا سكن اللهب فقط فهي خامدة .
واللهب : اتّقاد النار . والخمود : سكون اللهب . والجمر : النار الملتهب . والهمود : برد النار وذهابها . فالطفوء : سكون اللهب وبرد النار معا .
والنار أعمّ من النار المادّيّة وغيرها ، فيكون الطفوء أيضا مستعملا في الموردين ، فقال تعالى :
* ( كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ا للهُ ) * - 5 / 64 فيراد التهاب نار الخصومة وتوقّد الغضب الباطنىّ .
وأيضا إنّ الإطفاء هو تسكين ما يلتهب وإذهابها ، أعمّ من أن يكون في نار أو في نور ، فالنور إذا تنوّر واشتعل يصحّ أن يقال : إنه قد أطفئ فلا يختصّ الإطفاء بتعلَّقه بالنار المتوقّدة .
* ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ ا للهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى ا للهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَه ُ ) * - 9 / 33 . * ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ ا للهِ بِأَفْواهِهِمْ وَا للهُ مُتِمُّ نُورِه ِ ) * - 61 / 8 نور الله هو ما يتوقّد ويظهر ويتلألأ ويتجلَّى من الله تعالى ، من نور تكوينىّ مثل أنبيائه ورسله ومظاهر صفاته ، ومن نور تشريعىّ كأحكامه وشرائعه وقوانينه وآياته وكلماته .
والتعبير بالإطفاء : إشارة إلى أنّ مقصدهم الهمود بالكلَّية .
والتعبير بالأفواه : إشارة إلى ضعفهم وضعف ما به يطفئون نور الله ، فانّ نور الله لا نور أقوى وأشدّ وأثبت منه ، فكيف يمكن إطفاؤه بما هو في غاية الضعف وهو النفخ بالتنفّس الضعيف المحدود .
هذا مع مقابلة هذا النفخ بإرادة الله القاطع وحكمه بأنّ الله متمّ نوره ويأبى عن كلّ ما يخالف الَّا أن يتمّ ويديم اظهار نوره .
والتعبير في الآية الثانية بقوله - ليطفئوا : إشارة إلى أنّهم يتوسّلون بأىّ وسيلة ممكنة وبأيّة مقدّمة موصلة إلى نظرهم . وقد حكم الله تعالى في قبال هذا التشبّث والتوسّل بالحكم القاطع بانّه - متمّ نوره .
وهذا بخلاف الآية الأولى : فعبّر فيها بقوله تعالى - . * ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا ) * :
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 86
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٨٦