والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو الظلمة النازلة المحيطة ، سواء كانت في مادّىّ أو معنوىّ .
فالمادّىّ كما في : غسق الليل ، أي نزل وأحاطت ظلمته . وغسقت العين :
إذا انكدرت وانصبّت دمعته . وغسق الجرح : إذا أنتن وخرج منه القيح . وهكذا سائر الموارد .
وأمّا الغاسق : فهو كلّ شيء نزل وأحاط ، مادّيّا كالظلمة في الليل ، أو معنويّا كالكدورات والظلمات الغاشية للقلب .
فالظلمة المادّيّة المحيطة فيها استعداد حدوث أىّ شرّ ونائبة . والظلمة المعنويّة فيها اقتضاء أىّ شرّ وضلال وانحراف وكفر .
وإحاطة هذه الكدورة والظلمة على القلب تتجسّم في الآخرة بصورة الغسّاق وهو مبالغة الغاسق ، فليس للكافرين طعام الَّا من ضريع ولا شراب إلَّا من غسّاق :
* ( إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ) * . . . . * ( لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً جَزاءً وِفاقاً ) * - 78 / 25 أي موافقا لما فيهم .
* ( وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ ) * . . . . * ( فَلْيَذُوقُوه ُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ) * - 38 / 56 فالغسّاق هو المنكدر المظلم الَّذى ليس فيه صفاء ونور ، وهو من جنس عالم الآخرة وممّا يناسبها من أىّ جهة .
ولا يخفى أنّ الظلمة متن جميع الابتلاءات والشدائد في الآخرة ، فانّها تقابل النور الَّذى هو من الله تعالى :
* ( ا للهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * ، * ( انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ، قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ) * .
* ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ) * . . . . * ( وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ ) * - 113 / 3 يراد مطلق ما يغسق ويرد محيطا من ظلمة مادّيّة أو معنويّة .
وهذا يدل على أنّ كلّ مسلم يجب له أن يستعيذ عملا من كلّ غاسق
و
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 222
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٢٢