والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو الصرف عن ما هو واقع وحقّ إلى خلافه ، كصرف الأبصار عمّا يشاهدونه في الظاهر إلى خلافه ، وصرف القلوب عمّا يدركونه إلى الخلاف ، يقال هو ساحر ، وذاك مسحور .
* ( فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ) * ، * ( فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْه ِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) * ، * ( إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى ) * .
يراد صرف أبصار الناظرين عمّا يشاهدونه وعمّا كان ووقع إلى خلافه .
* ( سَيَقُولُونَ لِلَّه ِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) * ، * ( إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ) * ، * ( بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) * .
يراد كونهم مصروفين عمّا هو الحقّ والواقع .
وأمّا إطلاق السحر على وقت قريب من الصبح ومتّصل به : فهو من جهة أنّ ذاك الوقت يدلّ إلى ضياء وظهور شفق بالفجر مع ما يشاهد من الليل والظلمة ويتوقّع امتدادها ، فكأنّه يصرف الأبصار إلى خلاف ما وقع . وبهذه المناسبة يؤمر بالاستغفار فيه - . * ( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحارِ ) * .
فبالاستغفار يوافق الباطن بالظاهر ، ويصرف القلب من كدورات الآثام وظلمات المعاصي إلى ضياء الطاعة ونور العبوديّة ، ومن الغفلة والمحجوبيّة إلى التوجّه والذكر والروحانيّة .
وبهذا الاعتبار يطلق السحور على طعام يؤكل في ذلك الوقت : حيث أنّه يصرف الإنسان إلى حال أحسن ، من ضعف إلى قوّة ، ولا سيّما إذا كان للصوم ، فيصرف إلى حالة روحانيّة وإمساك عن اللذّات البدنيّة .
وأمّا إطلاق السحر على الصدر وما يقرب من النحر : فانّ الصدر يصرف الناظر من أسافل الأعضاء إلى أعاليها ، والصدر هو الواسطة بينهما ، ويتوجّه الناظر به إلى جمال الوجه والى مجلى الإدراك والتعقّل واللطف .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 67
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٦٧