والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو الظلمة الخفيفة . وبهذا الاعتبار يقال : إنّ السمر يدلّ على خلاف البياض ، والسمر سواد الليل ، وسمر وسمر واسمارّ إذا اسودّ واظلمّ ، والسمرة لون بين البياض والسواد ، والسامر اللَّيل المظلم ، والسمر ظلّ القمر والظلمة .
وأما إطلاق المادّة على الحنطة والرمح والمسمار واللبن المخلوط بالماء والريح وشجرة العضاه : فباعتبار النظر إلى لون الظلمة الخفيفة والسواد العارض في كلّ منها ، فالقيد ملحوظ ولازم تحقّقه .
وأمّا المسامرة بمعنى المحادثة ليلا : فيقال سمر يسمر وسامر يسامر إذا جعل شيئا مظلما أو في ظلمة وسواد . فكأنّ الحديث يجعل في ظلمة الليل .
* ( حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ ) * . . . . * ( قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِه ِ سامِراً تَهْجُرُونَ ) * - 23 / 67 .
أي استكبارا بسبب نكوصهم في السمر ، وهذا كما في قوله تعالى : . * ( فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) * . أي يجعلون الإعراض والنكوص وسيلة في استكبارهم في السامر ، توهّما منهم أنّ الاعراض عن الحقّ والإدبار عن آيات اللَّه موجب لرفعة شأنهم وعلوّ منزلتهم ومقامهم .
فالسامر هو المظلمّ الخفيف وهو على الأصحّ مفعول فيه من الاستكبار ، أي يستكبرون بنكوصهم في أيّ مكان سافر ، وهذا إشارة إلى أنّ استكبارهم ليس بحقّ ، ولا يعلنونه إلَّا في خفاء وظلمة .
فظهر أنّ الضمير يرجع إلى النكوص ، وأنّ السامر مفعول فيه كما في قولهم جلست قرب زيد أو قريب زيد . ولا نحتاج إلى تفسير السامر بالسمّار جمعا ليكون حالا ، أو إرجاع الضمير إلى ما لم يذكر لفظا .
وأمّا السامريّ : فظاهر الكلمة كونها منسوبة إلى السامر أو السامرة ، فانّ النسبة إلى المذكَّر والمؤنّث واحدة . والسامر قد عرفت معناه ، والسامرة إمّا أنّها كانت
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 205
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٠٥