وأمّا الحلم بمعنى البلوغ : وهو عبارة عن حصول حالة فيها تنضبط النفس وتتخلَّص عن الطيش والاضطراب وهيجان زمان الطفوليّة .
ويناسب هذا المعنى حصول حالة السكون والتسليم للأديم في مقابل دوابّ تفسده ، فيتحصّل له التثقّب .
ثمّ إنّ صفة الحلم المنتسبة إلى اللَّه المتعال ذكرت في القرآن الكريم ، مقرونة بصفات أخرى على ما يقتضيها المقام :
غفور حليم ، غنيّ حليم ، عليم حليم ، شكور حليم .
وإذا نسبت إلى فرد من الإنسان : فهي من أشرف الصفات ومن محامد الغرائز البشريّة ، الَّتي يرتقي به الإنسان إلى أعلى المقامات ، ويتمكَّن في السلوك إلى اللَّه العزيز بالسكون والطمأنينة :
* ( إِنَّ إِبْراهِيمَ لأَوَّاه ٌ حَلِيمٌ ) * ، * ( فَبَشَّرْناه ُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ) * - 37 / 101 .
فقد اتّصف شيخ الأنبياء بهذه الصفة .
* ( وَإِذا بَلَغَ الأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ) * - 24 / 59 .
أي زمان انضباط النفس وحصول حالة السكون والاستقرار والتعقّل . والتعبير بهذه الصفة دون العقل : فانّها المناط والمنظورة ، وبينهما عموم وخصوص من وجه .
وقد يوجد العقل بلا حالة الطمأنينة كما في حالة الغضب والطيش .
* ( أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) * - 12 / 44 .
أي أمور مشوّشة متفرّقة تتراءى في النوم ويراها النائم حين اطمأنّ واستراح عن اضطراب اليقظة .
يراد أنّ هذه الرؤيا بمقتضى حصول حالة السكون والطمأنينة ، ثمّ انتقاش الصور المتشتّتة في النفس . وهذا المعنى هو الموجب في حصول هذه الرؤيا ، وينفى العلم بتعبيرها ، دون مطلق رؤيا النائم ، فانّ منها الرؤيا الصادقة .
فظهر لطف التعبير بهذه المادّة في هذه الموارد ، وليس لها إلَّا أصل واحد ، كما بيّنّاه ، والفروع يرجع اليه .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 274
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٧٤