بل حقيقته استثناء شيء عن حكم سابق متعلَّق بموضوع ، فزيد مستثنى عن مجيء القوم لا عن القوم ، فالاستثناء يرجع في المرتبة الأولى إلى الحكم لا إلى الموضوع ، ولا سيّما في موارد ينصب المستثنى فيها ، كما مرّ من الأقسام الثلاثة - الموجب ، المقدّم ، المنقطع .
فعلى هذا : إنّ التعبير بالمنقطع بمعنى انقطاع المستثنى عن المستثنى منه ، وهكذا تخصيص المستثنى منه بالموضوع العامّ : غير صحيح . فالحمار في - ما رأيت القوم إلَّا حمارا - مخرج عن عدم الرؤية لا عن القوم .
وأمّا آية - * ( أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ) * ، * ( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا ا للهُ لَفَسَدَتا ) * - 21 / 22 . فالمعنى لو كان فيهما آلهة اتخذوها من أنفسهم لفسدتا ، ويستثنى من ذلك الحكم : اللَّه القادر المتعال المدبّر الحكيم الحىّ القيّوم ، فإذا استثنى اللَّه في مقام الخلق والتدبير وبقي الآلهة لفسدت السماوات والأرض .
فيدلّ هذا التعبير على أنّ الخلق والتدبير والنظم من اللَّه المتعال .
وأمّا إذا فسّرت كلمة إلَّا : بالغير [ آلهة غير اللَّه ] : فتكون في مقام توصيف الآلهة وتعريفها ، ولا تكون فيها إشارة إلى قدرة اللَّه وتدبيره ومقامه وشأنه الرفيع .
وثانيا - يلزم أن يكون اللَّه تعالى بمقتضى هذا التعبير والتفسير في مرتبة الآلهة وفي عرضها ، فانّ التغاير يقتضى ما قلناه من التقابل .
وثالثا - أنّ هذا التعبير وهو فرض أن يكون من دون اللَّه آلهة موجودون فيهما غير صحيح ، فانّ العالم يوجد باللَّه تعالى ، ولا يمكن أن نفرض عالما لا يرتبط باللَّه . وهذا بخلاف التعبير بالاستثناء الملازم لوجود المستثنى والخارج في مقام الحكم .
وعلى هذا : ترى هذا التعبير أي التعبير بكلمة غير ، واقعا في القرآن الكريم في مقام النفي دائما - * ( ما لَكُمْ مِنْ إِله ٍ غَيْرُه ُ ) * ، * ( مَنْ إِله ٌ غَيْرُ ا للهِ ) * .
وأمّا آية - * ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه ِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) * - 42 / 23 :
فالاستثناء يتعلَّق بسؤال الأجر ولا محذور فيه بوجه ، فانّ محبّة القربى ( قربى الرسول أو
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 111
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١١١