نعم ، لو اقتضى الطريق أن ما هو مؤداه ، هو المقدار المعلوم ، وتكون حجية
الطرق معناها اعتبار محرزيتها تعبدا ، وإثباتا لما هو المقدار المستحق عليه العقاب ،
كما لو كان هو الواقع تكوينا ، كان لرفع أثر العلم وجه واضح . إلا أن إثبات ذلك غير
ممكن ، لما لا دليل على ذلك ، كما تحرر في محله ( 1 ) فتأمل ، فما نسب إلى العلامة
النائيني في المقام ( 2 ) غير تام .
الشبهة الثالثة : قضية العلم الاجمالي ممنوعية جريان البراءة العقلية
والعقلائية ، دون الشرعية ، وهي تكفينا .
وفيه ما مر : من أن الأظهر من بين المحتملات في أخبار البراءة ، هو كون
العلم - الذي يكون غاية أو قيدا - هو الحجة والدليل الأعم من العقلي واللفظي ،
فتكون البراءة النقلية أيضا ممنوعة ، لحكم العقل بالاحتياط ، وهو الحجة ( 3 ) .
نعم ، لا بأس ثبوتا بترخيص الشرع عندنا حتى في جميع الأطراف ، كما مر
ويأتي في الاشتغال ( 4 ) ، إلا أنه يمكن دعوى : أنه لم يثبت الترخيص إلا في موارد
عدم قيام الحجة الأعم من النقلية والعقلية .
الشبهة الرابعة : ربما يوجد في بعض التعاليق ، أن التنجيز المستند إلى العلم
الاجمالي من الأول ، لا يبقى بعد قيام المنجز على حرمة الكذب مثلا بعنوانه ،
ضرورة أن الخاص بما هو خاص ، ليس متنجزا بذلك العلم ، بل هو يتنجز بالطريق
القائم عليه ، فعلى هذا لا وجه لاستناد تنجز الواقعيات إليه ، حتى يقال بالاحتياط
فيما وراء الطرق .
هامش
1 - تقدم في الجزء السادس : 268 .
2 - أجود التقريرات 2 : 192 - 193 .
3 - تقدم في الصفحة 177 .
4 - تقدم في الجزء السادس : 184 - 186 ، ويأتي في الصفحة 320 - 324 .