قال سئلته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه ، أحدهما
يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه كيف يصنع ، قال : يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في
سعة حتى يلقاه .
بتقريب ان المراد من تخالفهما ، ليس التخالف في نقل الرواية من دون جزم
بمفاده ، بل نقله علي وجه جاز العمل بمنقوله ، مصدقا مفاده وهو مساوق للفتوى ، ويشهد له قوله
أحدهما يأمر بأخذه . . . فان الامر بالأخذ ، ليس الا دعوة المخاطب إلي اخذه معتقدا
صحته وهو عبارة أخرى عن الفتوى ، فالرواية صريحة في الفتوى أو ظاهرة فيها ،
ومن ذلك يعلم أنه يمكن التمسك بعامة الروايات الآمرة بالتخيير عند تعارض الروايات
في المقام بالغاء الخصوصية ، فان اختلاف الفقيهين ، يرجع إلي اختلاف الرواية واختلاف
نظرهما في الجمع والترجيح هذا .
ولكن ما ذكر من التقريبين لا يسمن ولا يغنى ، بل الأول على خلاف المطلوب
أدل ، فان الاستدلال بالموثقة مبنى على حمل قوله عليه السلام فهو في سعة حتى يلقاه ، على
جواز العمل بالخبرين ، حتى يلاقى من يخبره ، بالحكم الواقعي ولكن هذا مخالف بما
ذكره الامام قبله يرجئه حتى يلقى من يخبره فان معنى الارجاء انما هو تأخير الواقعة
وعدم العمل بشئ منهما ، فيصير قرينة على أن قوله : فهو في سعة الخ انه في سعة في
ترك الحكم الواقعي ، ومعذور فيه ، إذا كان مقتضى الأصول التي رجع إليها مخالفا
للحكم الواقعي ، فهو على خلاف المطلوب أدل .
واما ادعاء الغاء الخصوصية ، فهو أضعف ، لمنع كون الاختلاف بين الفقيهين
مستندا إلى اختلاف الحديثين ، بل لاختلافهما علل شتى ، مع تحقق الفرق الواضح
بين اختلاف الاخبار ، واختلاف الآراء أضف إلى ذلك أنه لو صح العمل باخبار التخيير
في المقام ، لزم العمل باخبار المرجحات ، فيرجح بما ذكر في الروايات من الوجوه
المرجحة مع أنه لم يقل به أحد .
على انك قد عرفت منافى باب التعادل والتراجيح ان ما ادعاه الشيخ الأعظم
من تواتر اخبار التخيير أو استفاضته ، غير صحيح بل لم نجد رواية حائزة شرايط الحجية
تهذيب الأصول تقرير أبحاث السيد روح اللَّه موسوى الخميني ( دار الفكر ) — صفحة 192
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٩٢