أبدا ، ففهم الحاضرون ومن بينهم عمر أن رسول الله يريد أن يؤكد ما ذكره في
غدير خم كتابيا ، وهو التمسك بكتاب الله وعترته ، وسيد العترة هو علي ،
فكأنه صلى الله عليه وآله أراد أن يقول : عليكم بالقرآن وعلي ، وقد قال مثل ذلك في
مناسبات أخرى كما ذكر لمحدثون .
وكان أغلبية قريش لا يرضون بعلي لأنه أصغر القوم ولأنه حطم كبرياءهم
وهشم أنوفهم وقتل أبطالهم ، ولكنهم لا يجرؤون على رسول الله مثل عمر فقد
كان جريئا على النحو الذي حصل في صلح الحديبية وفي المعارضة الشديدة للنبي
عندما صلى على عبد الله بن أبي ، المنافق ، وفي عدة مواقف أخرى سجلها
التاريخ ، وهذا الموقف منها ، وأنت ترى أن المعارضة لكتابة الكتاب في مرض
النبي شجعت بعض الآخرين من الحاضرين على الجرأة ومن ثم الاكثار من اللغط
في حضرة الرسول صلى الله عليه وآله .
إن هذه المقولة : جاءت ردا مطابقا تماما لمقصود الحديث ، فمقولة :
عندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله مخالفة لمحتوى الحديث الذي يأمرهم
بالتمسك بكتاب الله وبالعترة معا ، فكأن المقصود هو : حسبنا كتاب الله فهو
يكفينا ، ولا حاجة لنا بالعترة .
وليس هناك تفسير معقول غير هذا ، - بالنسبة إلى هذه الحادثة - اللهم إلا
إذا كان المراد هو القول بإطاعة الله دون إطاعة رسوله ، وهذا أيضا باطل وغير
معقول . . .
وأنا إذا طرحت التعصب الأعمى والعاطفة الجامحة وحكمت العقل السليم
والفكر الحر لملت إلى هذا التحليل وذلك أهون من اتهام عمر بأنه أول من رفض
السنة النبوية بقوله : ( حسبنا كتاب الله ) .
وإذا كان بعض الحكام قد رفض السنة النبوية بدعوى أنها متناقضة ، فإنه
اتبع في ذلك سابقة تاريخية في حياة المسلمين .
وإني لأعجب لمن يقرأ هذه الحادثة ويمر بها وكأن شيئا لم يكن ، مع أنها من
أكبر الرزايا كما سماها ابن عباس ، وعجبي أكبر من الذين يحاولون جهدهم
ثم اهتديت — صفحة 99
مساهمون: محمد التيجاني السماوي
ص٩٩