تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن المجيد — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
وقوله : يُرِيدُ اللَّه بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ( 1 ) ، إذ لو جرت مجرى واحدا لم يكن لتخصيص أهل البيت بها معنى ، إذ الإرادة التي يقتضي الخبر والبيان ، يعمّ الخلق كلَّهم على وجهها في التفسير ، ومعناها ، فلمّا خصّ اللَّه أهل البيت عليهم السّلام بإرادة إذهاب الرجس عنهم ، دلّ على ما وصفناه من وقوع إذهابه عنهم وذلك موجب للعصمة على ما ذكرناه . وفي الاتّفاق على ارتفاع العصمة عن الأزواج ، دليل على بطلان مقال من زعم أنّها فيهنّ ، مع أنّ من عرف شيئا من اللسان واصله ، لا يرتكب هذا القول ولا توهم صحّته . وذلك أنّه لا خلاف بين أهل العربية أنّ جمع المذكر بالميم ، وجمع المؤنث بالنون ، وأنّ الفصل بينهما بهاتين العلامتين ، ولا يجوز في لغة القوم وضع علامة المؤنث على المذكر ، ولا وضع علامة المذكر على المؤنث ، ولا استعملوا ذلك في حقيقة ولا مجاز . ولمّا وجدنا اللَّه سبحانه قد بدأ في هذه الآية بخطاب النساء ، فأورد علامة جمعهنّ من النون في خطابهنّ ، فقال : * ( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ) * إلى قوله : * ( وأَطِعْنَ اللَّه ورَسُولَه ) * ، ثم عدل بالكلام عنهنّ بعد هذا الفصل إلى جمع المذكر فقال : * ( إِنَّما يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) * . فلمّا جاء بالميم وأسقط النون ، علمنا أنّه لم يتوجّه هذا القول إلى المذكور الأوّل ، بما بينها من أصل العربية وحقيقتها ، ثم رجع بعد ذلك إلى الأزواج ، فقال : * ( واذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّه والْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّه كانَ لَطِيفاً خَبِيراً ) * . فدلّ ذلك على أفراد من ذكرناه من آل محمد عليهم السّلام بما علَّقه عليهم من حكم الطهارة الموجبة للعصمة وجليل الفضيلة ، وليس يمكنكم معشر المخالفين أن تدعوا أنّه كان في الأزواج مذكورا رجل غير النساء ، وذكر ليس برجل ، فيصح التعلَّق منكم بتغليب المذكّر على المؤنّث إذا كان في الجمع ذكر ، وإذا لم يمكن ادّعاء ذلك وبطل أن يتوجّه إلى الأزواج ، فلا غير لهنّ توجّهت إليه إلَّا من ذكرناه ممّن جاء فيه الأثر على ما بيّنّاه ( 2 ) .
هامش
( 1 ) البقرة : 185 . ( 2 ) الفصول المختارة من العيون والمحاسن : 29 ، والمصنفات 2 : 53 .
تفسير القرآن المجيد — صفحة 412 | الشيخ المفيد / السيد محمد علي أيازي