ردّ ادعاء نزول الآية في حقّ أبي بكر
مسألة أخرى
فإن قالوا : أفليس قد وردت الأخبار بأنّ أبا بكر كان يعول على " مسطح " ( 1 ) ويتبرّع عليه ، فلمّا قذف عائشة في جملة أهل الإفك ، امتنع من برّه ، وقطع عنه معروفه ، وآلى في الامتناع من صلته ( 2 ) ، فأنزل اللَّه تعالى :
* ( ولا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى والْمَساكِينَ والْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّه ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّه لَكُمْ واللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * .
وأخبر أنّ أبا بكر من أهل الفضل والدين والسعة في الدنيا ، وبشّره بالمغفرة والأجر العظيم ، وهذا أيضا يضادّ معتقدكم فيه .
الجواب : قيل لهم : لسنا ندفع أنّ الحشويّة قد روت ذلك ، إلَّا أنّها لم تسنده إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، ولا روته عن حجّة في الدين ، وإنّما أخبرت به عن مقاتل والضّحاك وداود الحواري والكلبي وأمثالهم ممّن فسّر القرآن بالتوهّم ، وأقدم على القول فيه بالظنّ والتخرّص حسب ما قدّمناه .
وهؤلاء بالإجماع ليسوا من أولياء اللَّه المعصومين ، ولا أصفيائه المنتجبين ، ولا ممّن يلزم المكلَّفين قولهم والاقتداء بهم على كلّ حال في الدين ، بل هم ممّن يجوز عليه الخطأ وارتكاب الأباطيل .
وإذا كان الأمر على ما وصفناه ، لم يضرّنا ما ادّعوه في التفسير ، ولا ينفع خصومنا
هامش
( 1 ) وهو مسطح بن أثاثة ، ابن بنت خالة أبي بكر ، وكان من المهاجرين البذرين المساكين . وكان أبو بكر ينفق عليه لمسكنته وقرابته . ( أحكام القرآن القرطبي 12 : 207 ) .
( 2 ) أسباب النزول للسيوطي 2 : 30 ، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 12 : 207 ، الكشّاف 3 : 222 ، تفسير البيضاويّ 2 :
119 ، تفسير الرازي 23 : 186 .