تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن المجيد — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦

سورة التوبة

فصل

خلق أفعال العباد

قال الشيخ أبو جعفر [ الصدوق رحمه اللَّه ] أفعال العباد مخلوقة ، خلق تقدير لا خلق تكوين ، ومعنى ذلك أنّه لم يزل عالما بمقاديرها . قال الشيخ أبو عبد اللَّه [ المفيد رحمه اللَّه ] ( 1 ) : الصحيح عن آل محمد صلَّى اللَّه عليه وآله أنّ أفعال العباد ( 2 )
هامش
( 1 ) تبع الشيخان الجليلان جمهور المتكلَّمين في افراد بحث الجبر عن بحث خلق الأفعال وعن مبحث الهدى والضلال ، مع أنّ الجميع فروع من نظرية الجبر ، ومن فاز بحلّ مشاكل هذه الأخيرة فاز بالنجاة من صعوبات البقية . ( 2 ) أنّ لهذا البحث وبيان المقصود منه تقريرا من وجهين : كلامي ، ونفسي ، أمّا النفسي ( وهو المقصود لدى الفلاسفة وعلماء التربية ) فهو أنّ الإنسان في أفعاله ( وفي مقدمتها الطلب والإرادة ) هل هو حرّ مختار ومستقّل في إيجاد أفعاله ؟ أو هو مجبور باقتضاء العوامل الأخرى المتصرّفة فيه من الداخل والخارج . فإنّ اختلاف التربية والتهذيب يؤثران بالحس والتجربة على الإنسان في اختلاف إرادته ومطالبه وتكييف أحواله وإصدار أعماله ، وهذا البحث يختلف عن المبحث الكلامي الآتي ذكره اختلافا واضحا وإن خفي على الجمهور . وأمّا البحث الكلامي ( وهو المبحوث عنه لدى علماء الكلام وزعماء الطوائف الإسلامية ولا يزالون مختلفين فيه ) فهو إنّ الإنسان ( وإن بلغ رشده وأشدّه وخوطب بالتكاليف الإلهية ) هل هو مختار في أفعاله حرّ في إرادته مستقلّ في الطلب ؟ أو إنّ اللَّه تعالى هو الخالق في الحقيقة لجميع ما يصدر من الإنسان في الظاهر ، كالة صمّاء في أداء ما يجري على يديه من أفعال خالقه ، فعلى هذا يكون الإنسان فاعلا بالمجاز في كلّ ما ينسب إليه من أفعاله مباشرة وإنّما يكون المنسوب إليه حقيقة هو اللَّه تعالى وحده ، وهذا الوجه يشترك مع الوجه السابق عليه في سلب اختيار العبد واضطراره في أفعاله طرّا ، وهما بناء عليه يستلزمان الجبر معا ، وتسمى البحث الكلامي بحث الجبر الديني كما يسمّى البحث النفسي بحث الجبر التكويني ، والفرق بينهما يبدو من وجوه أهمّها أنّ المنسوب إليه في الجبر الديني إنّما هو اللَّه وحده ، وهو الذي أمر بالحسنات ويثيب بحسبها ، وهو الذي نهي عن السيئات ويعاقب عليها ، وفي صورة كهذه يصعب جدا تصور الإيمان بعدالة من أجرى على يديك السيئات وهو في نفس الوقت مؤاخذك بها ومعاقبك عليها . نعم أنّ الجبر التكويني يقضي أيضا باضطرار العبد فيما يأتيه غير أنّه يجعل مصادر الحسنات والسيئات غير مصدر الثواب والعقاب . ( العلامة الشهرستاني في مجلة المرشد ) .