تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
من عقاب اللَّه تعالى واقتصاص فرعون بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى مدين . * ( وفَتَنَّاكَ فُتُوناً ) * وابتليناك ابتلاء ، أو أنواعا من الابتلاء على أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بالتاء كحجوز وبدور في حجزة وبدرة ، فخلصناك مرة بعد أخرى وهو إجمال لما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقة الألَّاف ، والمشي راجلا على حذر وفقد الزاد وأجر نفسه إلى غير ذلك أوله ولما سبق ذكره . * ( فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ) * لبثت فيهم عشر سنين قضاء لأوفى الأجلين ، ومدين على ثمان مراحل من مصر . * ( ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ ) * قدرته لأن أكلمك وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر ، أو على مقدار من السن يوحى فيه إلى الأنبياء . * ( يا مُوسى ) * كرره عقيب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك .
واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ( 41 ) اذْهَبْ أَنْتَ وأَخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا فِي ذِكْرِي ( 42 ) * ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) * واصطفيتك لمحبتي مثله فيما خوله من الكرامة بمن قربه الملك واستخلصه لنفسه . * ( اذْهَبْ أَنْتَ وأَخُوكَ بِآياتِي ) * بمعجزاتي . * ( ولا تَنِيا ) * ولا تفترا ولا تقصرا ، وقرئ * ( تَنِيا ) * بكسر التاء . * ( فِي ذِكْرِي ) * لا تنسياني حيثما تقلبتما . وقيل في تبليغ ذكري والدعاء إليّ .
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّه طَغى ( 43 ) فَقُولا لَه قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّه يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ( 44 ) * ( اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّه طَغى ) * أمر به أولا موسى عليه الصلاة والسلام وحده وهاهنا إياه وأخاه فلا تكرير . قيل أوحى إلى هارون أن يتلقى موسى ، وقيل سمع بمقبله فاستقبله . * ( فَقُولا لَه قَوْلاً لَيِّناً ) * مثل * ( هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى ) * فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة حذرا أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليكما ، أو احتراما لما له من حق التربية عليك . وقيل كنياه وكان له ثلاث كنى : أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة . وقيل عداه شبابا لا يهرم بعده وملكا لا يزول إلا بالموت . * ( لَعَلَّه يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ) * متعلق ب * ( اذْهَبا ) * أو « قولا » أي : باشرا الأمر على رجائكما . وطمعكما أنه يثمر ولا يخيب سعيكما ، فإن الراجي مجتهد والآيس متكلف ، والفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد مع علمه بأنه لا يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم ، ولذلك قدم الأول أي إن لم يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه فيخشى .
قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى ( 45 ) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وأَرى ( 46 ) * ( قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا ) * أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة ، من فرط إذا تقدم ومنه الفارط وفرس فرط يسبق الخيل . وقرئ « يفرط » من أفرطته إذا حملته على العجلة ، أي نخاف أن يحمله حامل من استكبار أو خوف على الملك أو شيطان إنسي أو جني على المعاجلة بالعقاب ، و « يفرط » من الإفراط في الأذية . * ( أَوْ أَنْ يَطْغى ) * أو أن يزداد طغيانا فيتخطى إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب . * ( قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما ) * بالحفظ والنصر . * ( أَسْمَعُ وأَرى ) * ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل ، فأحدث في كل ما يصرف شره عنكما ويوجب نصرتي لكما ، ويجوز أن لا يقدر شيء على معنى إنني حافظكما سامعا ومبصرا ، والحافظ إذا كان قادرا سميعا بصيرا تم الحفظ .