تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
فقال : « العالم من عقل عن اللَّه فعمل بطاعته واجتنب سخطه » . * ( خَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ ) * محقا غير قاصد به باطلا ، فإن المقصود بالذات من خلقها إفادة الخير والدلالة على ذاته وصفاته كما أشار إليه بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) * لأنهم المنتفعون به .
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ واللَّه يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 ) * ( اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ ) * تقربا إلى اللَّه تعالى بقراءته وتحفظا لألفاظه واستكشافا لمعانيه ، فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه . * ( وأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ ) * بأن تكون سببا للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها من حيث إنها تذكر اللَّه وتورث النفس خشية منه . روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الصلوات ولا يدع شيئا من الفواحش إلا ارتكبه ، فوصف له عليه السلام فقال : « إن صلاته ستنهاه » فلم يلبث أن تاب . * ( وَلَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ ) * وللصلاة أكبر من سائر الطاعات ، وإنما عبر عنها به للتعليل بأن اشتمالها على ذكره هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيئات ، أو ولذكر اللَّه إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته . * ( واللَّه يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ) * منه ومن سائر الطاعات فيجازيكم به أحسن المجازاة .
ولا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وإِلهُنا وإِلهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ ( 46 ) وكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِه ومِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِه وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ ( 47 ) * ( وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) * إلا بالخصلة الَّتي هي أحسن كمعارضة الخشونة باللين والغضب بالكظم والمشاغبة بالنصح ، وقيل هو منسوخ بآية السيف إذ لا مجادلة أشد منه وجوابه أنه آخر الدواء ، وقيل المراد به ذو العهد منهم . * ( إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) * بالإفراط في الاعتداء والعناد أو بإثبات الولد وقولهم * ( يَدُ اللَّه مَغْلُولَةٌ ) * أو بنبذ العهد ومنع الجزية . * ( وقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ) * هو من المجادلة بالتي هي أحسن . وعن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا باللَّه وبكتبه ورسله فإن قالوا باطلا لم تصدقوهم وإن قالوا حقا لم تكذبوهم » . * ( وَإِلهُنا وإِلهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ ) * مطيعون له خاصة وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللَّه . * ( وَكَذلِكَ ) * ومثل ذلك الإنزال . * ( أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ) * وحيا مصدقا لسائر الكتب الإلهية وهو تحقيق لقوله : * ( فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِه ) * هم عبد اللَّه بن سلام وأضرابه ، أو من تقدم عهد الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من أهل الكتاب . * ( ومِنْ هؤُلاءِ ) * ومن العرب أو أهل مكة أو ممن في عهد الرسول من أهل الكتابين . * ( مَنْ يُؤْمِنُ بِه ) * بالقرآن . * ( وما يَجْحَدُ بِآياتِنا ) * مع ظهورها وقيام الحجة عليها . * ( إِلَّا الْكافِرُونَ ) * إلا المتوغلون في الكفر فإن جزمهم به يمنعهم عن التأمل فيما يفيد لهم صدقها لكونها معجزة بالإضافة إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كما أشار إليه بقوله :
وما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِه مِنْ كِتابٍ ولا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ ( 49 ) * ( وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِه مِنْ كِتابٍ ولا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ ) * فإن ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 196 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي