منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارا وخوفا على الرئاسة . * ( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعامِ ) * في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات . * ( بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ) * من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ، ولا يطلبون الثواب الَّذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الَّذي هو أشد المضار ، ولأنها إن لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ولم تكتسب شرا ، بخلاف هؤلاء ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق ، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم .
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَه ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْه دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناه إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 )
* ( أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ ) * ألم تنظر إلى صنعه . * ( كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ) * كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك ، فغير النظم إشعارا بأنه المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه ، أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال ، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس : يسخن الجو ويبهر البصر ، ولذلك وصف به الجنة فقال * ( وظِلٍّ مَمْدُودٍ ) * . * ( ولَوْ شاءَ لَجَعَلَه ساكِناً ) * ثابتا من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد . * ( ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْه دَلِيلاً ) * فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الأجرام ، أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها .
* ( ثُمَّ قَبَضْناه إِلَيْنا ) * أي أزلناه بإيقاع الشمس موقعه لما عبر عن إحداثه بالمد بمعنى التسيير عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الَّذي هو في معنى الكف . * ( قَبْضاً يَسِيراً ) * قليلا قليلا حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق ، و * ( ثُمَّ ) * في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها ، وقيل * ( مَدَّ الظِّلَّ ) * لما بنى السماء بلا نير ، ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها ولو شاء لجعله ثابتا على تلك الحالة ، ثم خلق الشمس عليه دليلا ، أي مسلطا عليه مستتبعا إياه كما يستتبع الدليل المدلول ، أو دليل الطريق من يهديه فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها ، * ( ثُمَّ قَبَضْناه إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ) * شيئا فشيئا إلى أن تنتهي غاية نقصانه ، أو * ( قَبْضاً ) * سهلا عند قيام الساعة بقبض أسبابه من الأجرام المظلة والمظل عليها .
وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً والنَّوْمَ سُباتاً وجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 )
* ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً ) * شبه ظلامه باللباس في ستره . * ( والنَّوْمَ سُباتاً ) * راحة للأبدان بقطع المشاغل ، وأصل السبت القطع أو موتا كقوله : * ( وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ ) * لأنه قطع الحياة ومنه المسبوت للميت . * ( وجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ) * ذا نشور أي انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش ، أو بعث من النوم بعث الأموات فيكون إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور . وعن لقمان عليه السلام يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر .
وهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه وأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِه