تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
مراكز الفريقين فإن العدوة الدنيا كانت رخوة تسوخ فيها الأرجل ولا يمشي فيها إلا بتعب ولم يكن بها ماء ، بخلاف العدوة القصوى وكذا قوله : * ( ولَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ) * أي لو تواعدتم أنتم وهم القتال ثم علمتم حالكم وحالهم لاختلفتم أنتم في الميعاد هيبة منهم ، ويأسا من الظفر عليهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا صنعا من اللَّه تعالى خارقا للعادة فيزدادوا إيمانا وشكرا . * ( ولكِنْ ) * جمع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد . * ( لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ) * حقيقا بأن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه . وقوله : * ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) * بدل منه أو متعلق بقوله مفعولا والمعنى : ليموت من يموت عن بينة عاينها ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها لئلا يكون له حجة ومعذرة ، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة . أو ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة على استعارة الهلاك والحياة للكفر والإسلام ، والمراد بمن هلك ومن حي المشارف للهلاك والحياة ، أو من هذا حاله في علم اللَّه وقضائه . وقرئ « ليهلك » بالفتح وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر ويعقوب من حيي بفك الإدغام للحمل على المستقبل . * ( وإِنَّ اللَّه لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) * بكفر من كفر وعقابه ، وإيمان من آمن وثوابه ، ولعل الجمع بين الوصفين لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد .
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّه فِي مَنامِكَ قَلِيلاً ولَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ولكِنَّ اللَّه سَلَّمَ إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 43 ) وإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً ويُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وإِلَى اللَّه تُرْجَعُ الأُمُورُ ( 44 ) * ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّه فِي مَنامِكَ قَلِيلاً ) * مقدر باذكر أو بدل ثان من يوم الفرقان ، أو متعلق بعليم أي يعلم المصالح إذ بقللهم في عينك في رؤياك وهو أن تخبر به أصحابك فيكون تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوهم . * ( وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ ) * لجبنتم . * ( ولَتَنازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ) * في أمر القتال وتفرقت آراؤكم بين الثبات والفرار . * ( وَلكِنَّ اللَّه سَلَّمَ ) * أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع . * ( إِنَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) * يعلم ما سيكون فيها وما يغير أحوالها . * ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً ) * الضميران مفعولا يرى و * ( قَلِيلاً ) * حال من الثاني ، وإنما قللهم في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه لمن إلى جنبه أتراهم سبعين فقال أراهم مائة ، تثبيتا لهم وتصديقا لرؤيا الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . * ( وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ) * حتى قال أبو جهل : إن محمدا وأصحابه أكلة جزور ، وقللهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترؤوا عليهم ولا يستعدوا لهم ، ثم كثرهم حتى يرونهم مثليهم لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم ، وهذا من عظائم آيات تلك الوقعة فإن البصر وإن كان قد يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد ، وإنما يتصور ذلك بصد اللَّه الأبصار عن إبصار بعض دون بعض مع التساوي في الشروط . * ( لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ) * كرره لاختلاف الفعل المعلل به ، أو لأن المراد بالأمر ثمة الاكتفاء على الوجه المحكي وها هنا إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الإشراك وحزبه . * ( وإِلَى اللَّه تُرْجَعُ الأُمُورُ ) * .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّه كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وأَطِيعُوا
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 61 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي