تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
مضمحلا غير ثابت ، عن ابن مسعود رضي اللَّه عنه ( أنه عليه الصلاة والسلام دخل مكة يوم الفتح وفيها ثلاثمائة وستون صنما ينكت بمخصرته في عين كل واحد منها فيقول جاء الحق وزهق الباطل ، فينكب لوجهه حتى ألقى جميعها وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من صفر فقال : يا علي ارم به فصعد فرمى به فكسره ) .
ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( 82 ) * ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) * ما هو في تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمرضى ، و * ( مِنَ ) * للبيان فإن كله كذلك . وقيل إنه للتبعيض والمعنى أن منه ما يشفي من المرض كالفاتحة وآيات الشفاء . وقرأ البصريان * ( نُنَزِّلُ ) * بالتخفيف . * ( ولا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) * لتكذيبهم وكفرهم به .
وإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ أَعْرَضَ ونَأى بِجانِبِه وإِذا مَسَّه الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 ) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 ) * ( وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ ) * بالصحة والسعة * ( أَعْرَضَ ) * عن ذكر اللَّه . * ( ونَأى بِجانِبِه ) * لوى عطفه وبعد بنفسه عنه كأنه مستغن مستبد بأمره ، ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار لأنه من عادة المستكبرين ، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان هنا وفي « فصلت » وناء على القلب أو على أنه بمعنى نهض . * ( وإِذا مَسَّه الشَّرُّ ) * من مرض أو فقر . * ( كانَ يَؤُساً ) * شديد اليأس من روح اللَّه . * ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه ) * قل كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة ، أو جوهر روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه . * ( فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ) * أسد طريقا وأبين منهجا ، وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة والعادة والدين .
ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ( 85 ) * ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) * الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره . * ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) * من الإبداعيات الكائنة بكن من غير مادة وتولد من أصل كأعضاء جسده ، أو وجد بأمره وحدث بتكوينه على أن السؤال عن قدمه وحدوثه . وقيل مما استأثر اللَّه بعلمه . لما روي : أن اليهود قالوا لقريش سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي ، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة . وقيل الروح جبريل وقيل خلق أعظم من الملك وقيل القرآن ، ومن أمر ربي معناه من وحيه . * ( وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) * تستفيدونه بتوسط حواسكم ، فإن اكتساب العقل للمعارف النظرية . إنما هو من الضروريات المستفادة من إحساس الجزئيات ، ولذلك قيل من فقد حسا فقد فقد علما . ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شيئا من أحواله المعروفة لذاته ، وهو إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به ، فلذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى في جواب : وما رب العالمين بذكر بعض صفاته . روي : أنه عليه الصلاة والسلام لما قال لهم ذلك قالوا : أنحن مختصون بهذا الخطاب ؟ فقال : بل نحن وأنتم ، فقالوا : ما أعجب شأنك ساعة تقول * ( ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) * . وساعة تقول هذا فنزلت * ( ولَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ) * وما قالوه لسوء فهمهم لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير والحق ما تسعه القوة البشرية بل ما ينتظم به معاشه ومعاده ، وهو بالإضافة إلى معلومات اللَّه التي لا نهاية لها قليل ينال به خير الدارين وهو بالإضافة إليه كثيرا .