تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
شجر وكل ما يعرش من كرم أو سقف ، ولا في كل مكان منها وإنما سمي ما تبنيه لتتعسل فيه بيتا تشبيها ببناء الإنسان ، لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة التي لا يقوى عليها حذاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة ، ولعل ذكره لتنبيه على ذلك وقرئ بيوتا بكسر الباء ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر / يعرشون بضم الراء . * ( ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) * من كل ثمرة تشتهينها مرها وحلوها . * ( فَاسْلُكِي ) * ما أكلت . * ( سُبُلَ رَبِّكِ ) * في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلا من أجوافك ، أو * ( فَاسْلُكِي ) * الطرق التي ألهمك في عمل العسل ، أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك * ( سُبُلَ رَبِّكِ ) * لا تتوعر عليك . ولا تلتبس . * ( ذُلُلاً ) * جمع ذلول وهي حال من السبل ، أي مذللة ذللها اللَّه تعالى وسهلها لك ، أو من الضمير في اسلكي أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به . * ( يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها ) * كأنه عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس ، لأنه محل الإنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم . * ( شَرابٌ ) * يعني العسل لأنه مما يشرب ، واحتج به من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في بطنها عسلا ، ثم تقىء ادخارا للشتاء ، ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاء طلية حلوة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار ، وتضعها في بيوتها ادخارا فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل فسر البطون بالأفواه . * ( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه ) * أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف سن النحل والفصل . * ( فِيه شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) * إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية ، أو مع غيره كما في سائر الأمراض ، إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه ، مع أن التنكير فيه مشعر بالتبعيض ، ويجوز أن يكون للتعظيم . وعن قتادة أن رجلا جاء إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : إن أخي يشتكي بطنه فقال : « اسقه العسل » ، فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فما نفع فقال : « اذهب واسقه عسلا فقد صدق اللَّه وكذب بطن أخيك » . فسقاه فشفاه اللَّه تعالى فبرأ فكأنما أنشط من عقال . وقيل الضمير للقرآن أو لما بين اللَّه من أحوال النحل . * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) * فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعا أنه لا بد له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه .
واللَّه خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ومِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) * ( وَاللَّه خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ) * بآجال مختلفة . * ( ومِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ ) * يعاد . * ( إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) * أخسه يعني الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل . وقيل هو خمس وتسعون سنة وقيل خمس وسبعون . * ( لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) * ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية في النسيان وسوء الفهم . * ( إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ ) * بمقادير أعماركم . * ( قَدِيرٌ ) * يميت الشاب النشيط ويبقي الهرم الفاني ، وفيه تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم ، ركب أبنيتهم وعدّل أمزجتهم على قدر معلوم ، ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لم يبلغ التفاوت هذا المبلغ .
واللَّه فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيه سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّه يَجْحَدُونَ ( 71 ) * ( وَاللَّه فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) * فمنكم غني ومنكم فقير ، ومنكم موال يتولون رزقهم ورزق غيرهم ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك . * ( فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ ) * بمعطي رزقهم . * ( عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) * على مماليكهم فإن ما يردون عليهم رزقهم الذي جعله اللَّه في أيديهم . * ( فَهُمْ فِيه سَواءٌ ) * فالموالي والمماليك سواء في أن اللَّه رزقهم ، فالجملة لازمة للجملة المنفية أو مقررة لها ، ويجوز أن تكون
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 233 | عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي / محمد عبد الرحمن المرعشلي