تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
جمع ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأخلاق وأكياس ، ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها أو لواحدة أو له على المعنى ، فإن المراد به الجنس . وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب * ( نُسْقِيكُمْ ) * بالفتح هنا وفي « المؤمنين » . * ( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَناً ) * فإنه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث ، وهو الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش . وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما : أن البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في كرشها كان أسفله فرثا وأوسطه لبنا وأعلاه دما ، ولعله إن صح فالمراد أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن ، لأنهما لا يتكونان في الكرش بل الكبد يجذب صفاوة الطعام المنهضم في الكرش ، ويبقي ثفله وهو الفرث ثم يمسكها ريثما يهضمها هضما ثانيا فيحدث أخلاطا أربعة معها مائية ، فتميز القوة المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من المرتين وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال ، ثم يوزع الباقي على الأعضاء بحسبها فيجري إلى كل حقه على ما يليق به بتقدير الحكيم العليم ، ثم إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء البرد والرطوبة على مزاجها ، فيندفع الزائد أولا إلى الرحم لأجل الجنين فإذا انفصل انصب ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع ، فيبيض بمجاورة لحومها الغددية البيض فيصير لبنا ، ومن تدبر صنع اللَّه تعالى في إحداث الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها والقوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به ، اضطر إلى الإقرار بكمال حكمته وتناهي رحمته ، و * ( مِنْ ) * الأولى تبعيضية لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية ابتدائية كقولك : سقيت من الحوض ، لأن بين الفرث والدم المحل الذي يبتدأ منه الإسقاء وهي متعلقة ب * ( نُسْقِيكُمْ ) * أو حال من * ( لَبَناً ) * قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة . * ( خالِصاً ) * صافيا لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث ، أو مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه . * ( سائِغاً لِلشَّارِبِينَ ) * سهل المرور في حلقهم ، وقرئ « سيّغا » بالتشديد والتخفيف .
ومِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْه سَكَراً ورِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 ) * ( وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأَعْنابِ ) * متعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما ، وقوله : * ( تَتَّخِذُونَ مِنْه سَكَراً ) * استئناف لبيان الإسقاء أو ب * ( تَتَّخِذُونَ ) * ، ومنه تكرير للظرف تأكيدا أو خبر لمحذوف صفته * ( تَتَّخِذُونَ ) * ، أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه ، وتذكير الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف المحذوف الذي هو العصير ، أو لأن ال‍ * ( ثَمَراتِ ) * بمعنى الثمر والسكر مصدر سمي به الخمر . * ( ورِزْقاً حَسَناً ) * كالتمر والزبيب والدبس والخل ، والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنة . وقيل السكر النبيذ وقيل الطعم قال : جعلت أعراض الكرام سكرا أي تنقلت بأعراضهم . وقيل ما يسد الجوع من السكر فيكون الرزق ما يحصل من أثمانه . * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل في الآيات .
وأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ومِنَ الشَّجَرِ ومِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُه فِيه شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) * ( وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) * ألهمها وقذف في قلوبها ، وقرئ « إلى النحل » بفتحتين . * ( أَنِ اتَّخِذِي ) * بأن اتخذي ويجوز أن تكون * ( أَنِ ) * مفسرة لأن في الإيحاء معنى القول ، وتأنيث الضمير على المعنى فإن النحل مذكر . * ( مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ومِنَ الشَّجَرِ ومِمَّا يَعْرِشُونَ ) * ذكر بحرف التبعيض لأنها لا تبنى في كل جبل وكل