النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) * أنهم يبعثون إما لعدم علمهم بأنه من مواجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها ، وإما لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناعه ، ثم إنه تعالى بين الأمرين فقال :
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيه ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه أَنْ نَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ( 40 )
* ( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ) * أي يبعثهم * ( لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ) * . * ( الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيه ) * وهو الحق . * ( ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ) * فيما يزعمون ، وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث المقتضي له من حيث الحكمة ، وهو المميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل بالثواب والعقاب ثم قال :
* ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه أَنْ نَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * وهو بيان إمكانه وتقريره أن تكوين اللَّه بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق المواد والمدد ، وإلَّا لزم التسلسل فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة ومثال أمكن له تكوينها إعادة بعده ، ونصب ابن عامر والكسائي ها هنا وفي « يس » فيكون عطفا على نقول أو جوابا للأمر .
والَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ولأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 )
* ( وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) * هم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأصحابه المهاجرون ظلمهم قريش فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة وبعضهم إلى المدينة ، أو المحبوسون المعذبون بمكة بعد هجرة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهم بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل رضي اللَّه تعالى عنهم ، وقوله . * ( فِي اللَّه ) * أي في حقه ولوجهه . * ( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ) * مباءة حسنة وهي المدينة أو تبوئة حسنة . * ( ولأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ ) * مما يعجل لهم في الدنيا . وعن عمر رضي اللَّه تعالى عنه : أنه كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء قال له خذ بارك اللَّه لك فيه هذا ما وعدك اللَّه في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل . * ( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) * الضمير للكفار أي لو علموا أن اللَّه يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم ، أو للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم .
* ( الَّذِينَ صَبَرُوا ) * على الشدائد كأذى الكفار ومفارقة الوطن ، ومحله النصب أو الرفع على المدح .
* ( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * منقطعين إلى اللَّه مفوضين إليه الأمر كله .
وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) بِالْبَيِّناتِ والزُّبُرِ وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 )
* ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ ) * رد لقول قريش : اللَّه أعظم من أن يكون رسوله بشرا ، أي جرت السنة الإلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشرا يوحي إليه على ألسنة الملائكة ، والحكمة في ذلك قد ذكرت في سورة « الأنعام » فإن شككتم فيه . * ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) * أهل الكتاب أو علماء الأخبار ليعلموكم .
* ( إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) * وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكا للدعوة العامة وقوله : * ( جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً ) * معناه رسلا إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وقيل لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال .
ورد بما روي : أنه عليه الصلاة والسلام رأى جبريل صلوات اللَّه عليه على صورته التي هو عليها مرتين .
وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم .